القانون والصحة: من يضمن حق المواطن في العلاج داخل منظومة تتغير ؟

| رجب قاسم

مما لا شك فيه أنّ الحق في الصحة لم يعد اليوم مجرد مطلب اجتماعي، بل أصبح – وفقًا للفقه الدستوري المقارن – أحد الحقوق الأساسية التي يتعيّن على الدولة كفالتها واتخاذ التدابير التشريعية والتنظيمية لضمانها فالدساتير الحديثة، ومنها الدساتير العربية والخليجية، باتت تؤكد التزام الدولة بتوفير خدمات صحية مناسبة، ومنع أي شكل من أشكال التمييز في الحصول على العلاج، وضمان الرقابة على المهن الطبية وعلى المؤسسات الصحية الخاصة. ولقد أثبتت التجربة العملية أن غياب التنظيم القانوني المحكم للقطاع الصحي ينعكس مباشرةً على العدالة الاجتماعية، وعلى الاستقرار الاقتصادي، وعلى ثقة المواطن في الدولة. وفي ضوء ذلك، يبرز سؤال محوري: هل نجحت التشريعات الصحية العربية والخليجية في حماية المواطن من الغلاء الطبي، ومنحته حقه القانوني في العلاج؟ أم أن القطاع الصحي – في بعض الدول – تحوّل إلى سوق مفتوح يخضع لقواعد الربح والخسارة أكثر مما يخضع لاعتبارات الصحة العامة؟ وللإجابة، يلزم التوقف أمام التجارب المختلفة في مصر والخليج. الوضع القانوني الصحي في مصر ولا ريب أن مصر تمتلك منظومة تشريعية صحية واسعة بدءًا من قانون تنظيم المنشآت الطبية، مرورًا بـقانون مزاولة مهنة الطب، ووصولًا إلى قانون التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018. إلا أن قوة النص لا تقابلها قوة في التطبيق. فرغم أن قانون التأمين الصحي الشامل يقرّ – في مادته الثانية – كفالة الدولة لحق المواطنين في خدمات صحية متدرجة الجودة، وأن مواده تمنح “الهيئة العامة للرعاية الصحية” سلطة تنظيم الأسعار واعتماد المنشآت، إلا أن التطبيق ما زال جزئيًا ومحدودًا جغرافيًا. كما أن قانون حماية المستهلك الذي يعطي للجهات الرقابية سلطة ضبط الأسعار غير المبررة، لا يُفعَّل في مجال الخدمات الطبية بالشكل الكافي، بحجة أن “العلاج خدمة فنية تقديرية” يصعب تسعيرها. وهذا التحلل من الرقابة منح القطاع الخاص سلطة شبه مطلقة في تحديد سعر الكشف والعمليات والتحاليل، رغم أن القواعد الدستورية تقضي بأن الخدمات الأساسية – ومنها العلاج – لا يجوز تركها لآليات السوق وحدها. والأدوية بدورها تخضع لنظام تسعيري حكومي، لكن ارتفاع سعر الصرف يؤدي إلى إعادة تسعير متكررة، مما ينتج عنه إرهاق المواطن، رغم وجود هيئة الدواء المصرية كمنظم قانوني للسوق الدوائي. إطار قانوني منضبط  تُعد البحرين من أكثر الدول العربية التي أرست بناءً قانونيًا واضحًا للقطاع الصحي. فقانون مزاولة المهن الصحية رقم 21 لسنة 2015 وضع نظامًا صارمًا للترخيص، وحدد شروط مزاولة المهنة، وأسس “الهيئة الوطنية لتنظيم المهن والخدمات الصحية (نهرا)”. وتتمتع الهيئة بصلاحيات رقابية واسعة، منها: – اعتماد أسعار الخدمات الطبية. – مراقبة الامتثال لاشتراطات السلامة. – التحقيق في الأخطاء الطبية. – إحالة المخالفين للنيابة أو للمجالس التأديبية. كما رسّخ القضاء البحريني مبادئ مهمة، أبرزها: “المسؤولية الطبية مسؤولية تقصيرية قائمة على إثبات الخطأ، مع إلزام الطبيب ببذل عناية يقظة تتناسب مع الأصول الطبية المستقرة”. هذا الإطار القانوني المتكامل قلل من الفجوات الصحية، وجعل البحرين نموذجًا خليجيًا في التوازن بين القطاع العام والخاص، رغم تأثر أسعار بعض الخدمات بارتفاع كلفة التشغيل عالميًا. لمزيد من ضبط الأسعار في عُمان، يشكل قانون تنظيم مزاولة المهن الطبية والصيدلانية، إضافة إلى السلطات التي خولها القانون لـ “هيئة تنظيم الخدمات الصحية”، قاعدة قانونية راسخة لضبط السوق الطبي. وتملك الهيئة – بموجب اختصاصاتها – حق إصدار اللوائح المنظمة، ومراقبة جودة الخدمات، وترخيص المؤسسات الصحية الخاصة، وتحديد الأجور الاسترشادية لبعض الخدمات. كما أن قانون حماية المستهلك العُماني يمنح حماية إضافية ضد المغالاة في أسعار الأدوية. لكن يبقى الإشكال في القطاع الخاص الذي شهد ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار، وسط غياب “سقف سعري” واضح للخدمات الطبية الأكثر شيوعًا. كما أن مشروع التأمين الصحي الإلزامي – رغم كونه خطوة تشريعية مهمة – لم يكتمل نفاذه بعد، مما يحد من أثره على تخفيف الأعباء عن المواطنين. يظل النموذج الحكومي قويًا وذا جودة، إلا أن التحدي الأكبر هو ارتفاع أسعار الخدمات الخاصة مقارنة بمتوسط الدخل، وهو ما يستلزم معالجة قانونية أكثر صرامة. سوق ضخم  اعتمدت المملكة العربية السعودية عددًا من التشريعات الأساسية، أبرزها: – نظام مزاولة المهن الصحية – نظام التأمين الصحي التعاوني – نظام المنشآت الصحية الخاصة – لوائح هيئة التخصصات الصحية ويتميز النظام السعودي بمنح جهاته التنظيمية صلاحيات واسعة، لكن حجم السوق وضخامته يخلقان تحديًا دائمًا في ضبط الأسعار فالقطاع الصحي الخاص – الذي ينمو بوتيرة عالية – يعتمد أسعارًا مرتفعة، بينما شركات التأمين تفرض سياسات قد تتعارض مع حق المريض في العلاج. كما أن القضاء السعودي – رغم تطوره – يتعامل مع المسؤولية الطبية وفق مبادئ فقهية راسخة تجعل الخطأ الطبي “خطأ مهنيًّا يحتاج لإثبات يقيني”، مما يحمي الطبيب من الادعاءات الكيدية، لكنه قد يثقل كاهل المريض في إثبات الضرر. وبرامج التحول الوطني واتجاه الخصخصة تفرض ضرورة بناء نظام رقابي أكثر إحكامًا على الأسعار وجودة الخدمة. تضخم الأسعار  رغم أن الكويت تقدم واحدة من أفضل الخدمات الحكومية منخفضة التكلفة، إلا أن القطاع الخاص يشهد غلاءً واضحًا. وتنظم الكويت القطاع الصحي بموجب: – قانون مزاولة المهن الطبية – قانون المستشفيات الخاصة – قرارات وزارة الصحة المتعلقة بالتسعير لكن التطبيق الرقابي على الأسعار لا يزال دون المستوى المطلوب. كما أن التأمين الصحي للوافدين (ضمان) خلق سوقًا تختلف فيه الأسعار بناءً على قدرة الشركات على التفاوض مع المستشفيات، مما أدى إلى تفاوت كبير في تكلفة الخدمات وعدم وجود مرجعية سعريّة موحدة.  انضباط طبي تتميز قطر بمنظومة قانونية صحية متقدمة، تستند إلى: – قانون الضمان الصحي – قانون تنظيم المنشآت الصحية الخاصة – لوائح وزارة الصحة التي تفرض رقابة صارمة على الأسعار** كما تعتمد قطر نظامًا إلكترونيًا شفافًا يكشف الأسعار المعتمدة للخدمات الطبية والأدوية، مما يحد من أي محاولة لرفع الأسعار بغير مبرر. وتعد قطر من أكثر الدول انضباطًا في تحديد آجال المسؤولية الطبية، وإلزام المؤسسات الصحية بسجلات دقيقة توثق الخدمة، مما يسهل التعويض القضائي عند الخطأ. لماذا تختلف التجارب؟ تكشف المقارنة بين هذه الدول أن قوة القطاع الصحي لا تعتمد فقط على الأموال المرصودة له، بل على البناء القانوني الحاكم له، والذي يتأثر بالعوامل التالية: 1 - استقلالية الجهة التنظيمية فكلما كانت الجهة المنظمة مستقلة وتمتلك سلطة الضبط والتسعير، انخفضت أسعار الخدمات الصحية. 2-    جود سقف سعري محدد الدول التي تعتمد “تسعيرة استرشادية” للخدمات الطبية نجحت في منع الغلاء غير المبرر. 3-    نظام تأمين صحي شامل التأمين الشامل يقلل اعتماد المواطن على السوق الخاص الخاضع للربح. 4-    قضاء فعال في الأخطاء الطبية كلما كان القضاء واضحًا في تحديد المسؤولية الطبية، ارتفعت جودة الخدمات وتحقق ردع مهني.

رؤية قانونية

في ضوء هذه المعطيات، نؤكد أن التنظيم القانوني للقطاع الصحي ليس ترفًا، بل ضرورة لحماية حق المواطن في العلاج، وتوازن العلاقة بين الطبيب والمريض، وضمان عدم تحوّل العلاج إلى سلعة تجارية. إن الحق في الصحة هو التزام دستوري على الدول، ويستوجب: – تسعيرًا منضبطًا للخدمات الطبية – تحديث التشريعات المنظمة للمهن الصحية – رقابة رقابية مستقلة – نظام تأمين صحي شامل – وآليات قضائية فعّالة لضبط المسؤولية الطبية

ولا ريب أن الدولة التي تُحكم قبضتها القانونية على القطاع الصحي، وتوازن بين الاستثمار والعدالة، هي الدولة الأكثر قدرة على حماية أمنها الاجتماعي واستقرارها الاقتصادي  مستشار مصري مقيم في عُمان