بوصلة جيل “زد” تشير نحو بانكوك
| عبدالله بوقس
لم يكن اختيار مجلة (تايم آوت) البريطانية لعاصمة التايلاندية بانكوك كأفضل مدينة لجيل «زد» مجرّد تصنيف عابر، بل علامة على تحوّل واضح في اتجاهات هذا الجيل. فبوصلة الشباب لم تعد تنجذب للمدن البراقة عمرانيًا، بل لتلك التي تمنح معنى وحرية وتنوّعًا، وتوفّر فضاءات عيش تتجاوز القوالب التقليدية. استند التصنيف إلى آراء أكثر من ثمانية عشر ألف شاب دون الثلاثين، ما يكشف أن بانكوك لم تكسبهم عبر دعاية رسمية، بل لأنها ظهرت كمدينة تسمح للناس بأن يكونوا كما هم؛ مدينة تتسع لاختلافهم وتدعوهم إلى دخول إيقاعها اليومي بثقة وحرية، تجعلهم يشعرون بأن المكان جزء من تجربتهم الخاصة. من يتجول في شوارع بانكوك يلمس سريعًا سرّ جاذبيتها؛ مقهى صغير يعجّ بفنانين شبّان يجاور معبدًا عريقًا، وبائع طعام ينادي قرب حانة أنيقة، وشركات ناشئة تعمل من مساحات ضيقة وتبتكر اقتصادًا جديدًا. هذا التجاور لا يعكس فوضى، بل روح مدينة تمزج القديم بالجديد، والشعبي بالراقي، والمحلي بالعالمي في إيقاع واحد حيّ. هذه الحيوية لم تبقِ أثرها في الشارع فقط، بل انعكست على الاقتصاد. فقد سجّلت تايلند في عام 2024 عوائد سياحية بلغت 33.9 مليار دولار وفق وزارة السياحة والرياضة، وهو رقم يثبت أن «الروح» قد تصبح قطاعًا اقتصاديًا قائمًا بذاته، وأن الانفتاح والمرونة الاجتماعية يمكن أن يكونا محركًا اقتصاديًا أقوى من النفط أو الموانئ. اللافت أيضًا أن تايلند لم تحاول اختراع صورة جديدة لها كي تُرضي جيل زد. ما فعلته كان أبسط وأعمق، فقد أعادت قراءة عناصرها الثقافية الأصلية من اللطف، والخفة، والبساطة، وفن الابتسامة، وقدّمتها بلغة يعرفها هذا الجيل. مثل هذا النموذج يحمل دلالات استراتيجية بالنسبة لمدن الخليج. فالدول الخليجية التي استثمرت مليارات في البنية التحتية والمشاريع الثقافية تمتلك كل المقومات المادية، لكنها تحتاج إلى لحظة تأمل تعيد فيها تعريف ما تعنيه «المدينة» بالنسبة لجيل ولد في عالم رقمي، ومتعدد الهويات، وسريع الحركة. المسألة ليست منافسة على تصنيف دولي؛ بل محاولة لفهم ما حدث في بانكوك: مدينة تحوّلت من نقطة عبور سياحية إلى نموذج حضري يجذب المواهب والعقول ويحوّل طاقاتها إلى اقتصاد حي. هذا درس يمكن أن تستفيد منه الخليجية الكبرى التي تمتلك عناصر قوة ناعمة هائلة، من الضيافة إلى التراث ومن الإبداع الفني إلى الديناميات الاجتماعية. ومن ثمّ، ليست صدارة بانكوك مكافأة سياحية بقدر ما هي ترجمة دقيقة لانحياز بوصلة جيل «زد» نحو المدن التي تفهمه. فالشباب لا يبحثون عن مبانٍ شاهقة، بل عن فضاءات تمنحهم أمانًا بلا رقابة، وحرية بلا فوضى، وفرصًا بلا شروط. ومن هنا يمكن لمدن الخليج أن تتحول من وجهات فاخرة إلى فضاءات حياة، تقدّم للجيل الرقمي بيئة تنسجم مع تطلعاته.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور