فضاءات

كوكب الشرق في الميزان

| رضي السماك

في‭ ‬سلسلة‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬تحدثنا‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬المطربة‭ ‬والفنانة‭ ‬المصرية‭ ‬الكبيرة‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬تناولنا‭ ‬كيف‭ ‬ارتقت‭ ‬سلّم‭ ‬المجد‭ ‬من‭ ‬إنسانة‭ ‬ريفية‭ ‬مُعدمة‭ ‬يصطحبها‭ ‬والدها‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬البلتاجي‭ ‬معه‭ ‬أثناء‭ ‬صباها‭ ‬لتغني‭ ‬في‭ ‬المواليد‭ ‬والمناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬قريتها‭ ‬وعدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬القرى‭ ‬المصرية،‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬مطربة‭ ‬عظيمة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬هاجرت‭ ‬مع‭ ‬أبيها‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ ‬واستقرت‭ ‬فيها،‭ ‬فأضحت‭ ‬بعدئذ‭ ‬سيدة‭ ‬الطرب‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬بلا‭ ‬منازع‭ ‬خلال‭ ‬خمسين‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬مسيرتها‭ ‬الفنية‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬1925‭ ‬إلى‭ ‬1975‭. ‬وكان‭ ‬لحنجرتها‭ ‬الصوتية‭ ‬وثقافتها‭ ‬اللغوية‭ ‬والأدبية‭ ‬دور‭ ‬محوري‭ ‬كبير‭ ‬لصعودها‭ ‬القمة‭ ‬الفنية‭ ‬الطربية،‭ ‬ما‭ ‬أعطاها‭ ‬سلطة‭ ‬عليا‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬ما‭ ‬يصلح‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬من‭ ‬ألحان‭ ‬وكلمات‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬عمل‭ ‬فني‭ ‬غنائي‭ ‬يُعرض‭ ‬عليها،‭ ‬وهي‭ ‬سلطة‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬ملحنو‭ ‬أغانيها‭ ‬ومؤلفو‭ ‬كلماتها‭ ‬مجاراتها‭ ‬فيها،‭ ‬ويخضعون‭ ‬تماماً‭ ‬مستسلمين‭ ‬لملاحظاتها‭ ‬أو‭ ‬تحفظاتها‭. ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تقاسم‭ ‬مسيرتها‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تقاسمها‭ ‬العهدان‭ ‬الملكي‭ ‬والجمهوري‭ ‬بالتساوي‭. ‬ولئن‭ ‬كنا‭ ‬قد‭ ‬تناولنا‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬كوكب‭ ‬الشرق‭ ‬من‭ ‬أدوار‭ ‬فنية‭ ‬عظيمة‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬الموسيقى‭ ‬والغناء‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬المسيرة‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬قضايا‭ ‬وطنها‭ ‬وأمتها،‭ ‬فذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬خلوها‭ ‬من‭ ‬الشوائب‭ ‬والسلبيات،‭ ‬فلا‭ ‬تستقيم‭ ‬الكتابة‭ ‬الموضوعية‭ ‬إلا‭ ‬بذكر‭ ‬مالها‭ ‬وما‭ ‬عليها‭.‬

والحال‭ ‬فإن‭ ‬مطربتنا‭ ‬الكبيرة‭ ‬لم‭ ‬تسلم‭ ‬من‭ ‬آفة‭ ‬الغرور‭ ‬بعد‭ ‬تتويجها‭ ‬عرش‭ ‬الغناء‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬تربعت‭ ‬عليه‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬بالتمام‭ ‬والكمال،‭ ‬فباستثناء‭ ‬محبتها‭ ‬لجمهورها‭ ‬بتدليلها‭ ‬إياه‭ ‬بما‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬فقرات‭ ‬من‭ ‬أغانيها‭ ‬مرات‭ ‬ومرات،‭ ‬فإنها‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬ملحنيها‭ ‬بفظاظة‭. 

وأشهر‭ ‬ضحية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬محمد‭ ‬القصبجي،‭ ‬ولم‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬السخرية‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬وثقتها‭ ‬الصحافة‭ ‬وكثرة‭ ‬المؤلفات‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬مسيرتها‭ ‬الفنية‭ ‬أو‭ ‬جوانب‭ ‬منها،‭ ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬فنان‭ ‬كبير‭ ‬مثل‭ ‬المطرب‭ ‬عبدالحليم‭ ‬حافظ‭ ‬الذي‭ ‬اعتاد‭ ‬أن‭ ‬يوجه‭ ‬الشكر‭ ‬والامتنان‭ ‬إلى‭ ‬العازفين‭ ‬وملحني‭ ‬أغنياته‭ ‬ومؤلفي‭ ‬كلماتها،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التقليد‭ ‬غير‭ ‬وارد‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬ومسيرة‭ ‬سيدة‭ ‬الغناء‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬العندليب‭ ‬الأسمر‭ ‬كان‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬ضحاياها‭ ‬عندما‭ ‬تعمدت‭ ‬في‭ ‬احتفالات‭ ‬الثورة‭ ‬عام‭ ‬1964‭ ‬أن‭ ‬تطيل‭ ‬في‭ ‬وصلتي‭ ‬غنائها‭ ‬حتى‭ ‬الثانية‭ ‬والنصف‭ ‬فجراً،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أثار‭ ‬حنق‭ ‬عبدالحليم‭ ‬الذي‭ ‬وجّه‭ ‬عتاباً‭ ‬ساخراً‭ ‬للمقلب‭ ‬المتعمد‭ ‬الذي‭ ‬وضعته‭ ‬فيه‭. ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬حرضت‭ ‬المشير‭ ‬عبدالحكيم‭ ‬عامر‭ ‬ليتخذ‭ ‬قراراً‭ ‬بمنعه‭ ‬من‭ ‬الغناء‭ ‬قيل‭ ‬لفترة‭ ‬امتدت‭ ‬بضع‭ ‬سنين‭. ‬

كما‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬حفلاتها‭ ‬التي‭ ‬أحيتها‭ ‬خلال‭ ‬زيارتها‭ ‬ليبيا‭ ‬لم‭ ‬تتوان‭ ‬عن‭ ‬شتم‭ ‬أحد‭ ‬الحاضرين،‭ ‬لأنه‭ ‬ناداها‭ ‬طالباً‭ ‬منها‭ ‬إعادة‭ ‬إحدى‭ ‬فقرات‭ ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تؤديها‭ ‬بعبارة‭ ‬“يا‭ ‬مرة”،‭ ‬وهي‭ ‬كلمة‭ ‬معيبة‭ ‬بحق‭ ‬المرأة‭ ‬ذات‭ ‬الشخصية‭ ‬المحترمة،‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬كلمة‭ ‬عادية‭ ‬متداولة‭ ‬في‭ ‬اللهجة‭ ‬الليبية،‭ ‬ولم‭ ‬تتريث‭ ‬لتفطن‭ ‬بأن‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬إبداء‭ ‬إعجاب‭ ‬بها‭ ‬لا‭ ‬توجيه‭ ‬الشتائم‭ ‬إليها‭. ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬تعاملت‭ ‬في‭ ‬مفاوضاتها‭ ‬مع‭ ‬متعهدي‭ ‬حفلاتها‭ ‬بتشدد‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬العنت‭ ‬لفرض‭ ‬ما‭ ‬تتقاضاه‭ ‬من‭ ‬عائد‭ ‬مشروع‭ ‬أي‭ ‬أغنية‭ ‬أو‭ ‬إحياء‭ ‬حفلة‭ ‬غنائية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتزحزح‭ ‬عن‭ ‬مليم‭ ‬واحد‭ ‬فيما‭ ‬تتقاضاه‭. ‬ومن‭ ‬ضحاياها‭ ‬تجبرها‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬شاعر‭ ‬أغانيها‭ ‬الشهير‭ ‬أحمد‭ ‬رامي‭ ‬الذي‭ ‬غنت‭ ‬من‭ ‬كلماته‭ ‬137‭ ‬أغنية‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬283‭ ‬أغنية‭ ‬غنتها‭ ‬طوال‭ ‬مسيرتها‭ ‬الغنائية،‭ ‬فقد‭ ‬أحبها‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬حباً‭ ‬جنونياً‭ ‬وارتضى‭ ‬بأن‭ ‬يبدع‭ ‬في‭ ‬أشعاره‭ ‬المعبرة‭ ‬عن‭ ‬لواعج‭ ‬غرامه‭ ‬الجنوني‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الحب‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬واحد،‭ ‬وهي‭ ‬أيضاً‭ ‬ظلت‭ ‬مستمتعة‭ ‬بكلمات‭ ‬ذات‭ ‬حرارة‭ ‬عاطفية‭ ‬وجدانية‭ ‬صادقة‭ ‬نُسجت‭ ‬من‭ ‬وحي‭ ‬الواقع‭ ‬والتجربة‭ ‬العيانية‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬وحي‭ ‬مخيلة‭ ‬الشاعر‭ ‬الأدبية‭. ‬

وأخيراً‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أمثلة‭ ‬أو‭ ‬نماذج‭ ‬ضحاياها‭ ‬ما‭ ‬كشف‭ ‬عنه‭ ‬شاعر‭ ‬العامية‭ ‬الشهير‭ ‬المعروف‭ ‬بسلاطة‭ ‬لسانه‭ ‬في‭ ‬الهجاء‭ ‬والنقد‭ ‬السياسي‭ ‬أحمد‭ ‬فؤاد‭ ‬نجم،‭ ‬حيث‭ ‬كشف‭ ‬بأن‭ ‬المقصود‭ ‬في‭ ‬قصيدته‭ ‬“كلب‭ ‬الست”‭ ‬ما‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬أحد‭ ‬الطلبة‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مع‭ ‬شلة‭ ‬من‭ ‬زملائه‭ ‬يحيون‭ ‬يوماً‭ ‬رياضياً،‭ ‬فمروا‭ ‬بالمصادفة‭ ‬خلف‭ ‬ڤيلا‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬في‭ ‬الزمالك،‭ ‬فتصدى‭ ‬كلب‭ ‬الست‭ ‬لواحد‭ ‬منهم‭ ‬وأشبعه‭ ‬نهشاً‭ ‬في‭ ‬قدمه‭ ‬وعندما‭ ‬أبلغ‭ ‬الضحية‭ ‬قسم‭ ‬الشرطة‭ ‬بما‭ ‬حدث‭ ‬وتم‭ ‬تحرير‭ ‬محضر‭ ‬بذلك،‭ ‬لكنه‭ ‬فوجئ‭ ‬بقرار‭ ‬النيابة‭ ‬بعدئذ‭ ‬بإعفاء‭ ‬الست‭ ‬وكلبها‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬الجنائية‭ ‬بالنظر‭ ‬لما‭ ‬تؤديه‭ ‬من‭ ‬خدمات‭ ‬جليلة‭ ‬للدولة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬استفز‭ ‬شاعرنا‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نظم‭ ‬تلك‭ ‬القصيدة‭ ‬الشهيرة‭.‬

 

*كاتب‭ ‬بحريني