خلجات

الخليج كما أرادهُ المؤسسون

| عباس العماني

“عند‭ ‬تأمّل‭ ‬مسيرة‭ ‬هذا‭ ‬الصرح‭ ‬الخليجي‭ ‬الشامخ،‭ ‬الذي‭ ‬بدأه‭ ‬الآباء‭ ‬المؤسسون‭ ‬بكل‭ ‬إخلاص‭ ‬ومحبة،‭ ‬يتأكد‭ ‬لنا‭ ‬صواب‭ ‬توجهاته‭ ‬نحو‭ ‬ضرورات‭ ‬التكامل‭ ‬والاندماج،‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬ثقله‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ويُظهر‭ ‬مكانته‭ ‬كقوة‭ ‬فاعلة‭ ‬ومؤثرة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية”،‭ ‬بهذه‭ ‬الرسائل‭ ‬عميقة‭ ‬المعنى‭ ‬والمدى‭ ‬استهلّ‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظّم‭ ‬كلمته‭ ‬السامية‭ ‬في‭ ‬افتتاح‭ ‬القمة‭ ‬الخليجية‭ ‬السادسة‭ ‬والأربعين‭.‬

رسم‭ ‬الآباء‭ ‬المؤسسون‭ ‬النظام‭ ‬الأساسي‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬وأهداف‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التنسيق‭ ‬والتكامل‭ ‬والترابط‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الميادين‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬وحدتها،‭ ‬وبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬45‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬التأسيس‭ ‬هناك‭ ‬حقائق‭ ‬جليّة‭ ‬تمثّل‭ ‬طموحات‭ ‬المؤسسين‭ ‬وتتلاقى‭ ‬مع‭ ‬المساعي‭ ‬الحثيثة‭ ‬للاستمرار‭ ‬على‭ ‬نهجهم،‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬المجلس‭ ‬لم‭ ‬يُنشأ‭ ‬ليكون‭ ‬إطارًا‭ ‬شكليًا‭ ‬للتعاون،‭ ‬بل‭ ‬ليصبح‭ ‬كتلة‭ ‬ذات‭ ‬وزن‭ ‬استراتيجي‭ ‬حقيقي،‭ ‬وبأن‭ ‬الوحدة‭ ‬الخليجية‭ ‬الكاملة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مسألة‭ ‬ترف‭ ‬سياسي‭ ‬ولكن‭ ‬شرط‭ ‬استمرار‭ ‬الوزن‭ ‬الخليجي‭ ‬عالميًا‭.‬

الدول‭ ‬المنفردة‭ ‬والتكتلات‭ ‬الضعيفة‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬سياسة‭ ‬إقليمية‭ ‬أو‭ ‬تستطيع‭ ‬تمرير‭ ‬أجندتها،‭ ‬وحدها‭ ‬التكتلات‭ ‬القوية‭ ‬تستطيع‭ ‬ذلك،‭ ‬ولابد‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬كتلة‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬قوية‭ ‬لنستطيع‭ ‬حماية‭ ‬مصالحنا،‭ ‬وفرض‭ ‬قواعدنا،‭ ‬ومنع‭ ‬تهميشنا‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭. ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬تكتلات‭ ‬حقيقية‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬متأثرة‭ ‬بالأحداث،‭ ‬متلقيّة‭ ‬للتوازنات،‭ ‬وساحة‭ ‬نفوذ‭ ‬للآخرين،‭ ‬وليست‭ ‬جهة‭ ‬تصوغ‭ ‬المسارات‭. ‬لذلك‭ ‬جاء‭ ‬البيان‭ ‬الختامي‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬متضمنًا‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬تشكلّ‭ ‬منهجًا‭ ‬واضحًا‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬كالحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬والأمن‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ودعم‭ ‬رخاء‭ ‬شعوبها،‭ ‬فلا‭ ‬مكان‭ ‬للقوة‭ ‬أو‭ ‬التهديد،‭ ‬وأن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬واحد،‭ ‬والموقف‭ ‬من‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ثابت‭ ‬لا‭ ‬يتغير،‭ ‬وإنهاء‭ ‬حرب‭ ‬غزة‭ ‬ليس‭ ‬خيارًا،‭ ‬وأن‭ ‬“أي‭ ‬مساس‭ ‬بسيادة‭ ‬دولة‭ ‬عضو‭ ‬يعد‭ ‬تهديدًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي”‭.

هذه‭ ‬ليست‭ ‬عبارات‭ ‬بروتوكولية‭ ‬دبلوماسية،‭ ‬بل‭ ‬معادلة‭ ‬ورسالة‭ ‬مفادها‭ ‬أنّنا‭ ‬صفّ‭ ‬واحد‭ ‬وأمننا‭ ‬واحد‭ ‬وموقفنا‭ ‬أوضح‭ ‬من‭ ‬أيِّ‭ ‬وقتٍ‭ ‬مضى،‭ ‬نسأل‭ ‬الله‭ ‬العلي‭ ‬القدير‭ ‬أن‭ ‬يديم‭ ‬على‭ ‬دولنا‭ ‬نعمة‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬ويبارك‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬الخيّرة‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬النماء‭ ‬والرخاء‭ ‬والازدهار،‭ ‬وليكون‭ ‬مجلسنا‭ ‬بوصلتهُ‭ ‬وحدة‭ ‬الهدف‭ ‬والمصير‭ ‬دائمًا‭ ‬كما‭ ‬أراد‭ ‬الآباء‭ ‬المؤسسون‭.‬

 

*كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬