قراءة في الفجوة الائتمانية ودور استدامة مؤسسات الدولة في تحسين التصنيف

| د. نجيب الغربال

يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة متقلبة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتزايد المخاطر الجيوسياسية وتباطؤ النمو، ما يجعل التقييمات الائتمانية ذات أثر مباشر على اقتصادات الدول الصغيرة والمتوسطة. وفي هذا السياق، تتطلب المرحلة الاقتصادية الراهنة في البحرين قراءة تحليلية موضوعية تستند إلى بيانات رسمية ومراجع دولية رصينة، نظرًا لارتباط التصنيفات الائتمانية بقدرة المؤسسات على إدارة الضغوط المالية وتحقيق مسار اقتصادي أكثر استدامة. ويُظهر التقييم الأخير الصادر عن S&P Global Ratings (Standard & Poor’s Global Ratings) وجود فجوة يجب التعامل معها بجدية، بوصفها مؤشرًا يعكس كفاءة المؤسسات العامة وجودة السياسات وإدارة الدين والإنفاق العام. وتعتمد S&P في تصنيفها للدول على منهجية تحليلية تشمل خمسة محاور رئيسية: الأداء الاقتصادي، قوة المؤسسات، استدامة المالية العامة، مستويات الدين والتمويل، والقدرة على امتصاص الصدمات. وبذلك، فإن التصنيف لا يقيس العجز أو الفائض فقط، بل يعكس مستوى الاتساق بين السياسات المالية وشفافيتها واستدامتها وقدرة الدولة على إدارة المخاطر المالية في بيئة عالمية معقدة. وبعد توضيح هذه المحاور الخمسة، تأتي هذه القراءة لتستند إلى أربعة مرتكزات تحليلية تساعد على فهم الفجوة الائتمانية واستدامة مؤسسات الدولة في المرحلة الراهنة: أولاً: الفجوة الائتمانية وقراءة تقييم S&P تشير بيانات التقييم الائتماني الصادر عن S&P إلى وجود فجوة تتعلق بقدرة الاقتصاد على التعامل مع الضغوط المالية ومتطلبات التمويل، بما يعكس تحديات في مسار الإصلاح المالي ومستوى الاستدامة على المدى المتوسط. وتوضح تقارير وزارة المالية والاقتصاد الوطني أن البحرين حققت تقدمًا ملحوظًا في تعزيز دور القطاعات غير النفطية ورفع كفاءة الإنفاق ضمن برنامج الاستدامة المالية، إلا أن تقييم S&P يبرز الحاجة إلى تسريع وتيرة الإصلاح، وتوسيع قاعدة الإنتاج، ورفع جاهزية المؤسسات، والاستمرار في تنويع مصادر الدخل بما يقلل الاعتماد على الإيرادات الدورية ويعزز الاستقرار الاقتصادي. ثانيًا: قوة المؤسسات والحوكمة ودورهما في التصنيف ترتبط التقييمات الائتمانية بدرجة كبيرة بجودة المؤسسات العامة وفاعلية السياسات الاقتصادية. فالتصنيف يقيس قدرة الدولة على إدارة الإنفاق، وتنفيذ السياسات المالية، وضمان الشفافية والحوكمة. وتشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن قوة المؤسسات الحكومية والتنظيمية، بما يشمل كفاءة الإدارة المالية العامة وجودة الإطار التشريعي والتنظيمي وفعالية تطبيق مبادئ الحوكمة، تمثل ما يقارب 30 % إلى 40 % من وزن التصنيف الائتماني في العديد من منهجيات وكالات التصنيف، ما يضاعف أهمية الإصلاح المؤسسي باعتباره مدخلاً رئيسياً لتحسين التصنيف وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني. ثالثًا: المراجع الرسمية والدولية في قراءة الوضع الائتماني تعزز المراجع الرسمية والدولية الصورة الكاملة للتحديات والفرص. فمذكرة البنك الدولي الاقتصادية الخاصة بالبحرين تؤكد أن الدول التي تطبق سياسات مالية واضحة وتمتلك مؤسسات قوية وشفافة تكون أكثر قدرة على تحسين تصنيفها الائتماني وجذب الاستثمارات. كما تُظهر المذكرة أن الدول التي تنوّع مصادر دخلها وتوسع قاعدتها الإنتاجية وتقلل اعتمادها على الإنفاق الحكومي المباشر تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتقلبات الأسواق. وعلى المستوى الخليجي، تبيّن بيانات الأمانة العامة لمجلس التعاون أهمية التكامل الاقتصادي، بما في ذلك مشاريع الطاقة والربط اللوجستي والاستثمارات المشتركة، في تعزيز مرونة الاقتصادات الخليجية وقدرتها على إدارة المخاطر المالية في بيئة عالمية سريعة التغير، وبما يدعم القدرة على احتواء الصدمات المالية والاقتصادية وبناء مسار أكثر مرونة واستدامة. رابعًا: أهداف التنمية المستدامة والشراكات كمدخل لتحسين التصنيف ينسجم مسار الإصلاح المالي والمؤسسي في البحرين مع عدد من أهداف التنمية المستدامة، وخاصة الهدف 8 (النمو الاقتصادي والعمل اللائق)، والهدف 16 (السلام والعدل والمؤسسات القوية)، والهدف 17 (عقد الشراكات لتحقيق الأهداف). وتُعد هذه الأهداف إطاراً دولياً يعزز ممارسات الحوكمة، ويوسّع التعاون الاقتصادي، ويرسخ الشراكات الوطنية والإقليمية والدولية، بما يدعم القدرة على احتواء الصدمات المالية والاقتصادية وبناء مسار أكثر مرونة واستدامة. منظومة الشراكات ودور القطاعات المتعددة ولا يعتمد تحسين التصنيف الائتماني على السياسات المالية وحدها، بل يتطلب منظومة مؤسسية متكاملة تشمل الحكومة والقطاع الخاص والجامعات والمصارف والمجتمع المدني. ويمكن لهذه الشراكات أن تسهم في تعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير أدوات التمويل التنموي، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع قاعدة الابتكار وريادة الأعمال، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. وفي المقابل، فإن غياب الإصلاحات المؤسسية قد يرفع مخاطر التمويل ويحدّ من قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل مستدامة.

هذا ويشكّل البحث العلمي والتحليل الاقتصادي المتخصص ركيزة أساسية لدعم صناعة القرار، خصوصًا في بيئة اقتصادية شديدة التغير تتطلب قدرة أعلى على القراءة الاستباقية وصنع خيارات سريعة وفعّالة تستجيب للتحولات الحالية والمستقبلية.

الخاتمة

ومن المهم التأكيد أن تجاوز الفجوة الائتمانية يتطلب جهدًا تشاركيًّا بين المكونات الرئيسة لأي اقتصاد معاصر، وهي القطاع الحكومي والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بوصفها ركائز متكاملة تسهم في توسيع قاعدة الإنتاج وتعزيز كفاءة السياسات الاقتصادية. فالتنمية الاقتصادية لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل هي نتاج منظومة شراكات قادرة على دعم الاستقرار المالي وتوليد قيمة مضافة مستدامة، بما يعزز قدرة الدولة على تحسين تصنيفها الائتماني واستدامته.

وتبقى الإشارة إلى أن الفجوة الائتمانية الحالية ليست نهاية المسار، بل مرحلة عابرة يمكن تجاوزها إذا تم وضع خطط مدروسة وفعّالة تعزز كفاءة المؤسسات واستدامتها وتوسع قاعدة الإنتاج. فقد أثبتت التجربة السابقة أن البحرين قادرة على تحسين تصنيفها عندما تُدار الإصلاحات بوضوح وثبات، وأن الأسواق الدولية تستجيب سريعًا لتحسن المؤشرات المالية والمؤسسية. ومع استمرار العمل في هذا المسار، ستتوافر فرص جديدة لنمو القطاعات الإنتاجية وخلق وظائف نوعية تسهم في خفض معدل البطالة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، بما يحقق مردودًا مباشرًا للمواطن البحريني ويدعم مستقبل التنمية في المملكة. * أكاديمي بحريني