الكتابة بالذكاء الاصطناعي
| عطا السيد الشعراوي
كما هي مظاهر كثيرة في حياتنا المعاصرة، لم تسلم كتابة المقالات من تأثيرات الذكاء الاصطناعي، حيث بات البعض يعتمد على تطبيقاته ومنصاته، مكتفيًا بتزويدها بالعناصر الرئيسة التي يريد تناولها دون أن يتعب نفسه ويجهد تفكيره فيما يكتب، وهو أمر بالغ الخطورة، إذ إن المقال ليس مجرد كلمات أو عبارات مرصوصة أو معلومات مذكورة، بل طريقة تفكير وعلاقة خاصة بين الكاتب والسطور التي يكتبها، فلها من الأسلوب وبها من الروح والمعاني والدلالات القريبة والبعيدة ما يجعل القارئ يميل ويفضل ويميز بين كاتب وآخر، فضلاً عن الشعور والمشاعر الإيجابية للكاتب نفسه أثناء الكتابة وما يتدفق ويطرأ له من أفكار ورؤى لم يخطط سلفًا لها وربما تشكل إضافة نوعية أو أنها قد تغير مسار مقاله وطرحه واستنتاجاته لوجهة مغايرة، فهي ليست عملية جامدة، بل تتسم بالحيوية والمرونة والتفاعل، ولا يمكن الشعور بها إلا عندما يمارس الشخص الكتابة بنفسه. صحيفة “لوموند” الفرنسية، في مقال لها تحدثت عن هذه القضية، محذرة من أن الاعتماد المتزايد على مولدات النصوص المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وتخلّي الشخص عن ممارسة التفكير والكتابة بنفسه قد يقود إلى الحزن والمرارة، مشيرة إلى أن “تشات جي بي تي” “لا يفكر” أصلاً، بل يعيد تركيب معارف مستمدة من البيانات التي دُرّب عليها، والتي لا تخلو من الانحياز والتأثر بالبيئة الفكرية والثقافية والسياسية لأصحاب الشركات المشغّلة. تضيف الصحيفة الفرنسية أن الاكتفاء بهذه النماذج الجاهزة قد يجعل البشر مادة خام للاستغلال من قبل منصات الذكاء الاصطناعي والمتحكمين فيها وخدمة توجهاتهم، وأنها بالنهاية مجرد واجهة تقنية حديثة لعملية قديمة جداً في خصخصة الثروة. لا يمكن التقليل من أهمية واستخدامات مظاهر التقنية المعاصرة، ولكن الخطر يكمن في تسليم مقاليد الأمور إليها لتكون هي المتحكمة وصاحبة الكلمة العليا، فللكاتب أن يلجأ إليها في البحث عما يفيده من معلومات، ولكن يحرص على أن يمسك هو بزمام الأفكار وصياغتها.
*كاتب بحريني