السعادة أن تكون سيد فندق سعادتك وسيد الغرف وسيد المفاتيح (5)
| سيد ضياء الموسوي
عندما تتحول أفكار المجتمع إلى أعواد مشانق، والعادات إلى مقابر، والتقاليد إلى ملاجئ بائسة، أنت بحاجة إلى التمرد.. إلى اكتشاف الحقيقة باكرا وإلا قد يذهب عمرك هباء كريشة في مهب الريح، يمر العمر ولا ينتهي المر. ابحث عن فندق سعادتك، ولا تقبل أن تنام في العراء على الأرصفة قانعا نفسك أن النوم على الرصيف بطولة وأن عدم محاولة كسر دائرة الألم نوع من أنواع الشجاعة، وأن المجد صبر ولو كان على نعش القبول وفي مقبرة دفن الأحلام. لا تكن كالآخرين في عبثية صارخة، يولدون فيتزوجون وينجبون ويخلفون عقارا ثم يرحلون. تمرد على الأفكار مادامت بالية كجلود أجساد محنطة يتساقط عليها تراب متحف يفكر في الانتحار. لا تقبل أن تستورد لعقلك أفكارا كما تستورد الأحذية من سوق شعبي مهجور، لا ترض بأن تفاوض إنسانا متخلفا على عرس حياتك، فالكرامة متنوعة منها كرامة الأفكار وكرامة الشعور وكرامة الجسد. فكر بالرغم من شفرة حلاقة القدر التي يحلق بها رقبة فرحك فيجرحها. وبالرغم من جروح طفولة مازالت تلاحقك كجاسوس سجل عليك ذات يوم حجم فرحك وأنت صغير، ورغم كل مطابخ الأصدقاء الذين طبخوا لك أوجاعا في قدور الخيانة، والانقلابات البشرية إلا أنك بحاجة إلى التحرر، إلى كسر سلسلة المعاناة، إلى القفز نحو الحياة للوصول إلى غرف فندق السعادة. لست وحدك، وأنت تبتلع لحم الألم، فهناك عظماء اتخموا ألما وسقطت منهم بعض الغرف، وقد تستطيع أن تكون أنت أفضل منهم لو أنك حاولت الحصول على معظم الغرف. فالإنسان الطبيعي عبقري وإن خانته العبقرية، وعظيم وإن لم تطرق بابه أو تطل عليه من شرفة مجد التاريخ.
1. ميشيل دي مونتاني (1533 - 1592)، الفيلسوف الذي سكن غرفة الروح بالفطرة دون أن يدّعي التدين. مونتاني كان يحب الله دون أن يحول الحب إلى مصيدة سجن للآخرين فيجرهم للسجن ويدعوهم لتقبيل جبهته. فلا جبهة مشرقة إذا كان وراء تقبيلها سقوط أخلاقي مدوي في عبادة الأنا والنرجسية المتضخمة لرجل دين أو قديس أو حاخام. فهو الفقيه، والمفكر الإنساني، ومؤسس المقالة الفلسفية الحديثة. غرفته المفضلة: الثقافة والروح (بعمق إنساني لا ديني). ما كان يدعو للتفريق بين طائفة أو مذهب أو عرق أو دين. كان سيد الحدائق لا سيد الحرائق. وكان فقيه المعارف لا فقيه المحارق. الغرفة التي سقط منها: غرفة المجتمع؛ حيث اختار العزلة على الصخب السياسي. فما فائدة السياسة إذا كنت تدخلها كلاعب قمار تلقي النرد إما غرورا أو اشتهاء أو غباء على طاولة نعوش أو تضخم كروش أو بحثا عن صيد قروش. في اعتقادي، القوة أن تعتزل بلا عزلة، أن تنسج حرير الأفكار لمجتمع فقير في ثياب الأفكار المتحررة والبالية من التخلف، تنسج أفكارا وتلبسهم إياها دون أن تكون لصيقا بهم. كان مونتاني فيلسوف الصدق الداخلي، يكتب لا ليعلّم الناس، بل ليعرّي نفسه. لم يكن زاهدا ولا ناسكا، لكنه عرف طريق الروح عبر التأمل في ذاته، بعيدا عن ضجيج الكنائس والقلاع. ظن أن السعادة لا تأتي من كثرة الغرف، بل من غرفة واحدة تعرف منها ذاتك في حين بقية الغرفة مهمة لتماسك الذات. لكنه أخطأ حين ظن أن المجتمع يمكن تجاوزه دون أن يوجعه؛ فسقط من نافذته حين عاد إليه، شيخا، يطلب منهم فهمه... فلم يفهموه.
2. مونتسكيو (1689 - 1755)، المهندس الكبير لفندق المجتمع. المهنة: فيلسوف سياسي، مؤسس مفهوم فصل السلطات. غرفته المفضلة: المجتمع والقانون. الغرف التي أهملها: الحب والروح. التأمل: مونتسكيو لم يكن يطارد السعادة، بل العدل؛ وكان يرى أن الحرية أقرب إلى السعادة من الحب ومن الإيمان. بنى غرف المجتمع كمهندس حكيم، وضع لها النوافذ كي يدخل إليها الهواء، والمرايا كي يراقب القوة نفسها. لكنه، وقد شغلته السياسة والقانون، جعل بقية الغرف فارغة، باردة، لا قصيدة فيها ولا صلاة. كان نبيلا في فكره، لكن قلبه ظلّ إداريا جافا، يبحث عن الإنصاف، لكنه لم يعرف حرارة العاطفة أو دفءَ الروح. غرفة الحب مهمة وإن سقطت في البداية في علاقات مرضية. مسكين من يقع في علاقة حب مع نرجسي، فهو كمن يطلب من الحانوتي باقة ورد من تراكم توابيت بلا رائحة مقبرة، كمن يطلب من السكين لحنا من قيثارة، أو كمن يريد من المطرقة عزفا على أصابع بيانو.. النرجسي وحش يتقن فن المكياج ويحول السطوة إلى ساطور، والحب إلى حرب، والورد إلى قبر، فالإنسان الذي يقع في حب نرجسي فهو واقع في غرام جثة محنطة بداخلها قلب صناعي يعمل على بطارية من دون شحن. ولا يفرق عنه من وقع في حب شخص مصاب باضطراب الشخصية الحدية أو التجنبية، فكلاهما طفلان بعمر السنتين في المشاعر والغضب يدعوانك لحفلة عيد ميلادك في الطابق العاشر من البرج وعند إطفاء آخر شمعة من حفلة السهرة يلقيانك من الطابق ظانين أنهم كافآك برحلة رومانسية عبر الأثير، ويأتيانك عند سيارة الإسعاف ويقولان لك بانقطاع تام عن كارثية ذاكرة ما فعلاه “كل سنة وأنت طيب”. لهذا ربما مونتسكيو لم يوفق لحب يأتي على شكل قمر.
3. باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، الرجل الذي سكن غرفة الروح، فأغلقت الطائفة الباب خلفه فيلسوف، صانع عدسات، أحد أعظم عقلاء التاريخ. غرفته الرئيسة: الروح - علاقة عقلية وجودية مع الله (لا دينية). الغرف التي أهملها: المجتمع، المال، الحب. يعد سبينوزا من كبار الفلاسفة الذين ركزوا على أهمية علاقة حب مع الله عز وجل. كان يدعو لله بعيدا عن نعوش الطائفية، ودون لبس ثياب القاضي ولا بزة السجان. يرفض أن يتحول الإنسان إلى قاض يمشي في الطرقات يحاكم الناس، أنت خير وأنت شرير، لا أحد أعطاه هذه الصلاحية، ويرفض لبس بزة السجان ويتحدث عن الحرية. سبينوزا أشعل شمعة الروح داخل غرفة فارغة إلا من الله والعقل. لم يعبد إلها في السماء بتجرد، بل رأى الله في الحب والأخلاق وفي قوانين الطبيعة، وفي الوجود ذاته. المجتمع لفظه، الكنيس طرده، العائلة أعلنت موته وهو حي. لم يملك مالا، ولا حبا، ولا شهرة؛ لكنه امتلك أعمق غرفة في الفندق: غرفة الروح الموصولة بالكون كله. تحول المجتمع عليه كضباع تتوحم على لحم ضأن وكانت تنهش رقبة علمه وأضلع ثقافته بالتهميش وتلقي عليه أحجار الشتيمة لكنه واصل لأجل العروج والوصول. سعادته كانت تأملية، صامتة، بعيدة عن كل شهوة وكل ضجيج... لكنّه كان وحيدا جدا. لذلك كانت سعادته ناقصة.
4. بلزاك (1799 - 1850)، رجل الإبداع الذي مات تحت أنقاض غرفة المال. روائي فرنسي واقعي، صاحب “الكوميديا الإنسانية”. غرفته المفضلة: الثقافة والمجتمع. غرفة سقوطه: المال - بلزاك كان غريقا في الديون. بلزاك عاش مديونا. كان مثقلا بالدين والديان والديون. يحب الله، متمسكا بالإنسانية، لكنه أغلق كل الغرف وظل في غرفة الثقافة فابتلعته وحاصرته في زنزانة الحرف. في آخر أيامه فتح نافذة الحب لكنه دخله كطفل صغير لا يعرف إلا مشاعر الكتب وصدر الكتابة ورومانسية السهر مع الأقلام فمات بعد علاقة برغماتية مع امراة كانت ترسم وتخطط للحصول على بيته لا قلبه.
بلزاك لوّن الفندق بأجمل الحكايات، ملأه بالشخصيات الحية، بالنبلاء، الفقراء، العشاق، المنكسرين. كان يرى المجتمع ككوميديا، كسوق، كوحش، كمعمل. كتب كمن يبني مدينة داخل الفندق. لكن، خلف هذه الروح الروائية، كان رجلا منهكا، تطارده الفواتير، يكتب اثنتي عشرة ساعة يوميا، حتى تساقط قلبه مثل شمعة. كان ذكيا في قراءة المجتمع، لكنه فشل في تدبير حياته.
سقط من نافذة المال... لكن بقي ملكا في غرفة الثقافة.
الأديب الفرنسي، جان جينيه (1910 - 1986)، الشاعر الذي بنى غرفة الحب في السجن. المهنة: شاعر، كاتب مسرحي وروائي وجودي. غرفته الأصدق: الحب الاجتماعي - حب المهمشين والمطرودين. عاش مهمشا في كل شيئ إلا الإنسانية. غرفته المظلمة: المجتمع (كان منبوذا مطاردا).
جينيه لم يسكن الفندق؛ كان نزيلَ السجون. وجد غرفته في العتمة، حين اكتشف أن الحب لا يحتاج نافذة ولا نورا، بل قلبا يكسّره الألم ثم يعيد بناءه بالشِعر. كتب للحب المنبوذ، للعشاق المحطمين، للوجوه التي لا تدخل قاعات الأدب. أحبّ بلا شروط، لكنّه لم يعرف الاستقرار النفسي ولا السلام الروحي.
كان الحب عنده فعلَ تمرّد، لا شعورا رومانسيا. جنيه كتب للانسان، عاش مع القضية الفلسطينية وذهب للمخيمات يواسي المكلومين وهناك كان يواسي نفسه، يواسي جنيه الصغير الذي عاش محروما في فرنسا بلا أبوين، جائعا ينام في الأزقة والسجون والمطاردة.
6. الأديب المغربي محمد شكري (1935 - 2003)، الرجل الذي عبر الفندق من بوابة الجوع كاتب مغربي، صاحب “الخبز الحافي”. غرفته الأساسية: المجتمع الجريح، الجسد الفقير، والحب الناقص. لم يعرف: غرفة المال ولا غرفة الروح.
شكري كتب بمداد الجوع والألم. لم يكن فيلسوفا، بل شاهدا على بشاعة الواقع حين يجمع الفقر، القهر، الجسد، والتهميش في غرفة واحدة بلا نافذة. لم يكن يبحث عن السعادة؛ كان يبحث عن كرامة البقاء. لم يدخل غرفة الروح، لأن الجوع لا يدع للروح وقتا كي تتأمل. أدبه صادم، فاضح، لكنه إنساني وعميق.
كان فندقه بلا أسِرّة... مليئا فقط بالخوف والرغيف والعراء.
7. محمد أركون (1928 - 2010)، الفيلسوف الذي حاول فتح غرفة الروح... بالمفاتيح العقلية مفكر جزائري، ناقد الفكر الإسلامي المعاصر. غرفته المفضلة: الثقافة - وتحليل علاقة الإنسان بالله والمجتمع. غرفته المفقودة: الحب (غاب الحضور الإنساني في بعض مشاريعه).
أركون لم يكن مفكر إصلاح ديني فقط؛ كان يحاول تحرير غرفة الروح من الاستعمارين: السياسي والخرافي. أراد للدين أن يكون طريقا للإنسان، لا للعصا. لكن مشروعه ظل أكاديميا معقدا، بعيدا عن القلب، فخسر عاطفية التأثير رغم عمقه الفكري. أركون صاغ أفكارا عظيمة بعضها وجدت طريقها نحو النور وتحويل الشباب العربي إلى روحاني حداثوي باعتدال وبعضها هربت قسرا مع صناديق التخلف للكهنة خوفا من أن تخرب السوق السوداء لبعض بائعي الدين في أقمشة المحرمات المقدسة.
دخل غرفة الروح، لكن خرج منها بنظرية... لا بنداء.
8. مظفر النواب (1934 - 2022)، الرجل الذي سكن غرفة الحب والغضب معا. المهنة: شاعر عربي ثوري، عاش منفيا معظم حياته. غرفته المفضلة: الحب - لكن ليس الحب العاطفي... بل حب الأرض، الإنسان، الفقراء، الوطن. غرفته المكسورة: المجتمع (المنفى).
مظفر كانت غرفته مشتعلة بالحب لكن ليست رومانسية، بل حب غاضب، ثائر، ناقم. عشق الأمة لكنه جلدها، أحب الفقراء لكنه فضح سكوتهم، كان عاشقا، ثائرا، شاعرا، مطاردا... لم يسكن غرفة الروح، لأن روحه كانت مشتعلة، لا هادئة.
كتب الحب كرصاصة... لا كقبلة. مظفر رغم صدقه إلا أنه سقط في تخشب الايديولوجية الشيوعية بأنها هي الخلاص وسترة النجاة للإنسان، فخرج من تخشب ليقع في تخشب آخر. كل شيء يتم التطرف فيه يتحول إلى صنم، حتى الليبرالية عندما تتطرف هي أو بها تتحول إلى صنم يعبد من دون الحب والجمال والإنسان. الاعتدال هو الخير في أن تأخذ جمالا من كل شيء دون أن تحوله لصنم.
9. محمد مهدي الجواهري (1899 - 1997)، الشاعر الذي سكن كل الغرف إلا غرفة الطمأنينة. - المهنة: شاعر العرب الأكبر. - غرفته الأساسية: الثقافة، المجتمع، الحب، المال (لاحقا). - الغرفة التي لم يجد مفتاحها: الروح والسكينة.
الجواهري كان نزيلا دائما في غرف الثقافة والمجد والشهرة، دخل الصالونات، البرلمان، المنابر، المنافي. أحب الوطن، والمرأة، والمجد، والقصيدة. لكنه لم يعرف غرفة السكينة أبدا. كان شاعرا كبيرا، لكنه مستنزَفا حتى آخر عمره؛ يعيش الصراع لا الصفاء.
ترك قصائد خالدة... لكنه لم يترك أثرا يدل على أنه عرف السلام الداخلي. الجواهري كما هي الشخصية العراقية درامية تجنح للحزن.فحتى الغناء يقرب من مرثية أمٍ اسمها المعاناة، تبكي على ابن اسمه التاريخ. قلما تجد في قصائد الجواهري أفكارا في ثقافة الحياة. خرج من سجن البعث العراقي هاربا فسقط في حزب البعث السوري مضطرا بحثا عن الرزق وابتعادا عن الغربة، يستشرف أملا في السكينة لا السكين. ومن بعد انثروبولوجي، دعونا نحلل دور المجتمع كريشة وكمطرقة على هولاء العظماء: فالمجتمع بوصفه صانع المصير، المجتمع لم يكن مجرد سياق لهؤلاء، بل كان: السجّان (جينيه، مظفر)، الطارد (سبينوزا)، المصفّق المؤقت (الجواهري)، أو اللامبالي (شكري).
كل مجتمع أعاد تشكيل شخصيته كما تعيد الأرض شكل الماء الذي يسقط عليها: إن كانت الأرض قاسية صار الماء سهما. وإن كانت لينة صار نهرا. وإن كانت مكسورة صار الماء ضياعا.
ثانيا: الحب كآلية بقاء حديثة. فمن الحب كلنا هاربون لكن يختلف شكل الهروب، تارة برفاهية سفر يستبطن حزنا، ومرة بعلاقة تغطي على طفل مكسور، وآخر باعتزال على شكل حضور كأن تكون الحاضر الغائب، حاضرا كل المناسبات المجتمعية، مبتسما للكيمرا، وداخلك غربة بشرية بقناع اجتماعي على شكل ابتسامة.. تحليل قصصهم يظهر أن الحب لم يكن حاجة رومانسية فقط، بل “تكتيكا نفسيا”: سبينوزا: حبّ العقل بدل العاطفة (تعويض). بلزاك: حبّ امرأة واحدة لمداواة جرح الديون (هروب). جينيه: حبّ المكسورين لتعويض هويته المنبوذة (إسقاط). شكري: حبّ الجسد لمواجهة جوع الطفولة (تعويض حسي). مظفر: حبّ الوطن لملء فراغ المنفى (استبدال). الجواهري: حبّ المجد لضبط هشاشته الداخلية (تثبيت للذات).
ثالثا :الإنسان كـ “جمع غرف” لا كهوية واحدة. كل واحد منهم جسّد فرضية: أن الإنسان لا يعرف بما يمتلك... بل بما يفتقد. غرفهم المغلقة كانت شخصياتهم الحقيقية: سبينوزا: غرفة الحب المغلقة. شكري: غرفة الروح المغلقة. الجواهري: غرفة السكينة المغلقة. مظفر: غرفة المجتمع المغلقة.
وهذا ما يجعل العبقري مختلفا عن العادي: ليس فيما يملك، بل فيما يعذّبه. ختاما، لا العبقرية ناجية ولا تكدس المال يغني عن الحب، ولا الحب يغني عن مجتمع طيب، ولا المجتمع يغني عن ثقافة متمردة... القوة أن تجمع جميع الغرفة وتشتغل على ترميم الغرفة الآيلة للسقوط لتحظى بسعادة أكبر. القوة أن تقف على ناصية المجد لتكون أنت سيد الغرف وسيد الفندق وسيد المفاتيح.