سحر الكلام “الساكت”!
| كمال الذيب
في اللغة العربية عندما نصف الكلام الذي لا معنى له أو الذي لا أصل له ولا جدية، أو الذي لا يصدق كونه كلاما فارغا، فإننا ننفي عنه معنى الكلام أصلا.. أي نفرغه من المحتوى، لأن تعريف الكلام في اللغة العربية هو اللفظ المُركَّب المُفيد فائدة يحسن السكوت عليها، وهو “كل صوت له معنى مفيد”. وحتى يكون الكلام كلاما يستحق هذا الوصف يجب أن يكون مفيدًا. لقد وجدت في لهجة إخوتنا من أهل السودان وصفا عجيبا للكلام الفارغ لما يحمله من بلاغة معجزة في عبارة (كلام ساكت). أي ميت لا حياة له، وقولهم عن شخص يقول كلاما فارغا: “الزول بتكلم ساكت”، فهذا يعني أن هذا الرجل يطلق مجرد كلام لا معنى ولا محتوى له، أو يقول كلاما فاسدا كاذبا. دفعني إلى هذه المقدمة ما أراه اليوم من ظواهر غاية في الإدهاش في فضاء الثقافة العربية التي تحولت في السنوات الأخيرة، وبعد التخلي عن الحلم العربي في النهضة والوحدة والعدالة، إلى سوق عكاظ جديدة – لكن بكلام ساكت - ترتفع فيها السناجق والرايات وأدخنة البخور وتعزف فيها موسيقى الزّار، في إيقاع يغيب عنه الإنسان العربي وقضاياه، وينتشر فيه (الكلام الساكت)، إيذانا باختفاء فصيلة المثقفين الذين قال عنهم المسرحي الإيطالي داريوفو: “مهمة الكاتب هي أن يزعج الآخرين”. أو بتعبير المفكر الليبي الصادق النيهوم في كتابه محنة ثقافة مزورة: “في بلاد العرب، ومنذ فجر التاريخ كانت الثقافة سلاحاً، مهمته تجهيل الناس أكثر من تثقيفهم، ولهذا السبب سكتت عن قضايا الإنسان، وفشلت في تطوير مجتمعات حقيقية”.
للأسف فإن المفكر الذي تقع على عاتقه عملية النهوض والتغيير لم يعد في الفضاء الثقافي العربي الحالي يشكل تيارًا يعتد به وسط مجتمعات غارقة في الفقر والاستهلاك.. لا يزال يسحرها “الكلام الساكت”.
همس لن أفتح المذياع هذا الصباح... لن أنتبه إلى زقزقة العصافير، لن أترك عقارب الساعة تُتكتك على نفس الوتيرة.. لتغنّي نجاة الصغيرة صامتة ولتبلع فيروز صوتها... ولتسير السيارات بلا ضجيج، لن أترك صوتا يبلغ درجة النغمة، فأنا أنوي كتابة قصيدة نثر، ولا أرغبُ في أن يعيّرني زملائي بإتيان الوزن!
من نص للشاعر التونسي الراحل (الصغير أولاد أحمد).
كاتب وإعلامي بحريني