احتراف مزيف

| أسامة الماجد

‭ ‬هناك‭ ‬مقولة‭ ‬أزلية‭ ‬تقول‭: ‬“لا‭ ‬يصح‭ ‬إلا‭ ‬الصحيح”،‭ ‬ومعناها‭ ‬أن‭ ‬الحق‭ ‬يشعّ‭ ‬نوره‭ ‬كالشمس،‭ ‬ونور‭ ‬الشمس‭ ‬لا‭ ‬يُغطّى‭ ‬بمنخل‭ ‬مهما‭ ‬حاول‭ ‬البعض‭. ‬وفي‭ ‬مجتمعنا‭ ‬اليوم‭ ‬تتنامى‭ ‬ظاهرة‭ ‬خطيرة،‭ ‬لكننا‭ - ‬للأسف‭ - ‬تأقلمنا‭ ‬معها،‭ ‬أو‭ ‬أقنعنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬بالتأقلم‭ ‬معها،‭ ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬تصديق‭ ‬الدخلاء‭ ‬على‭ ‬المهن‭ ‬والاستعانة‭ ‬بهم‭ ‬دون‭ ‬تمحيص‭ ‬أو‭ ‬وعي‭.‬

لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬السوق‭ ‬مفتوحة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬هبّ‭ ‬ودبّ،‭ ‬وتكاثرت‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬هؤلاء‭ ‬المتطفلين‭ ‬الذين‭ ‬ألحقوا‭ ‬الضرر‭ ‬بأصحاب‭ ‬المهن‭ ‬الحقيقيين‭. ‬امرأة‭ ‬تقرأ‭ ‬كتبا‭ ‬عدة‭ ‬في‭ ‬المكياج‭ ‬وتظن‭ ‬أنها‭ ‬بلغت‭ ‬الاحتراف،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تفقه‭ ‬أساسيات‭ ‬المهنة،‭ ‬ثم‭ ‬تطلق‭ ‬إعلانًا‭ ‬فيتدافع‭ ‬الزبائن‭ ‬إليها‭ ‬تاركين‭ ‬أصحاب‭ ‬الخبرة‭. ‬وقارئ‭ ‬عادي‭ ‬يحوّل‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬“معلّم”‭ ‬ويبدأ‭ ‬بإعطاء‭ ‬دروس‭ ‬خصوصية‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تأهيل‭ ‬أو‭ ‬معرفة‭ ‬تربوية،‭ ‬وكأن‭ ‬التعليم‭ ‬بابٌ‭ ‬يمكن‭ ‬للجميع‭ ‬دخوله‭ ‬بلا‭ ‬معايير‭ ‬أو‭ ‬مسؤولية‭.‬

وتخبرنا‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الدخلاء‭ ‬لا‭ ‬يسببون‭ ‬خسائر‭ ‬مادية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يضربون‭ ‬المهن‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬ويزاحمون‭ ‬من‭ ‬بذلوا‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬التعلم‭ ‬واكتساب‭ ‬التراخيص‭ ‬والخبرة‭. ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬العمل‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬أنفسهم‭ ‬يلجأون‭ ‬إليهم‭ ‬ويمنحونهم‭ ‬الشرعية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإقبال‭ ‬العشوائي‭ ‬عليهم؟

وقد‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الحلاقين‭ ‬الآسيويين‭ ‬يجلبون‭ ‬أبناءهم‭ ‬إلى‭ ‬المحلات‭ ‬ليتعلموا‭ ‬المهنة‭ ‬تدريجيًّا‭: ‬يشاهدون‭ ‬أولًا،‭ ‬ثم‭ ‬يتدرّبون،‭ ‬ثم‭ ‬تُسلَّم‭ ‬لهم‭ ‬راية‭ ‬المحل‭ ‬وكأن‭ ‬المهن‭ ‬أصبحت‭ ‬بلا‭ ‬ضوابط‭ ‬ولا‭ ‬رقابة‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المهن‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التعلم‭ ‬والتدريب،‭ ‬لكن‭ ‬ليست‭ ‬بهذه‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬تبعث‭ ‬الألم‭ ‬والحسرة‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬مجتمعي‭ ‬أكبر،‭ ‬وإلى‭ ‬تقنين‭ ‬أشد‭ ‬صرامة‭ ‬يحمي‭ ‬المهن‭ ‬ويعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لأصحابها‭ ‬الحقيقيين‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬بحريني