القمة الخليجية لمجلس التعاون غير تقليدية من أبوظبي 1981 إلى المنامة 2025

| د. محمد رضا منصور بوحسين

من‭ ‬قمة‭ ‬أبوظبي‭ ‬إلى‭ ‬قمـة‭ ‬المنـامــة‭: ‬الخليــج‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬الهامش‭ ‬إلــى‭ ‬مركــز‭ ‬صناعة‭ ‬النظـــام‭ ‬العالمـي‭ ‬الجديد الخليـــج‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬التوازنات‭ ‬الدوليــة‭: ‬قادة‭ ‬جدد‭ ‬ونظام‭ ‬عالمي‭ ‬يعاد‭ ‬هندسته‭ ‬من‭ ‬المنامة نحو‭ ‬اتحاد‭ ‬خليجي‭ ‬مرن‭: ‬لماذا‭ ‬أصبحــــت‭ ‬لحظـــــة‭ ‬البحرين‭ ‬2025‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخيـة‭ ‬لاختطــاف‭ ‬المستقبل؟ معادلة‭ ‬القوة‭ ‬الجديـــدة‭: ‬النفــط‭ ‬وقود‭ ‬التحول‮…‬‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬محرك‭ ‬القيــادة‭ ‬الخليجيـة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬21

 

قادة مجلس التعاون الجدد ومستقبل المنطقة أنتم اليوم لا تتحدثون عن مجرد رد فعل على التغيرات العالمية والجيوسياسية، بل عن قيادة فعالة لإعادة تشكيل وهندسة النظام العالمي وفق رؤى استراتيجية ومعايير وضعها قادة جدد تشكلت لكتابة تاريخ جديد يكون لدولنا فيه تسيد ومكانة وقيادة تعزز رفاه الشعوب واستقرار المنطقة وتنامي قوتها الناعمة والأمنية والدفاعية.  دول مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي وفق موقعه الاستراتيجي ومقوماته و ثرواته وتحالفاته وشراكته الاقتصادية، تمنحه القدرة على لعب دور محوري في فرض معادلات النظام الدولي الجديد مهما كانت تعدداته. ليست قمة تقليدية للتباحث نحن نعيش لحظة مفصلية في التاريخ، حيث يتشكل نظام عالمي جديد، وعقد هذه القمة الآن ليس ترفا دبلوماسيا أو تقليديا، بل ضرورة استيراتيجية وجودية، فالتأجيل أو الالغاء يعني خسارة فرصة تاريخية قد لا تتكرر لعقود، فالعالم يتشكل الآن، ومن لا يشارك في تشكيله سيكون تابعا فيه. فاجتماع قادة المنطقة في القمة الخليجية 46 في هذا الوقت والتاريخ تعتبر قمة مختلفة، لاختلاف الظروف والأوضاع ومرحلة الفوضى العالمية وقيام  القوى العظمى بإعادة ترتيب اولوياتها بعد أن اهتزت التحالفات التقليدية، هذه التغيرات الاستيراتيجية الكبرى تجعل من القمة ورشة عمل لتأسيس كيان وتقديم أطروحات وصياغة أهداف كبرى لنظام عالمي جديد وفق رؤية جديدة قادرة على ضمان مكانة جديدة في عالم الغد، ولتكون القمة منصة لاطلاق مشاريع تحويلية كبرى ومحطة انطلاق لشراكة حضارية شاملة لتكون عاملا محوريا في إعادة تشكيل الواقع الجيوسياسي للمنطقة ولمنطقة الشرق الأوسط. فالقمة في جوهرها وأبعادها، تحاول صياغة نظام اقليمي جديد لا يقوم على الهيمنة الأحادية لقوة عظمى، ولا على الفوضى والصراعات الطائفية، بل على: - الاعتراف المتبادل بمصالح القوى الدولية والاقليمية. - إنشاء آليات تشاور متعددة لاحتواء النزاعات بدلا من تأجيجها . - التركيز على المصالح الاقتصادية المشتركة كأساس للاستقرار بدلا من الأيدلوجيات . فإذا نجحت هذه الرؤية، حتى لو جزئيا، فستكون القمة قد أضافت إطارا جيوسياسيا جديدا يعيد قواعد اللعبة في أكثر مناطق العالم اضطرابا. المعادلة الجديدة للقوة وفق رؤى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان العالم يتغير، والعرب ودول الخليج خاصة أمام خيارين: إما أن يكونوا صناع التغيير وأحد أدواته الفاعلة، أو أن نكون ضحايا التغيير بمزيد من التهميش، القرار الذي سيتخذه قادة مجلس التعاون اليوم سيحدد موقع الأمة لعقود قادمة ويرسم تاريخ جديد لمستقبل يكون فيه لدولنا دور مؤثر في المجتمع الدولي والمنظمات الدولية ليكون صانع قرار وشريكا لا غنى عنه في صناعة التوازنات ومهندسا للنظام العالمي الجديد. إن قادة المنطقة على دراية تامة بأن المرحلة القادمة تعتمد على النفظ كالـ “وقود” للتحول الاقتصادي والتكنولوجيا كالـ “محرك” للتقدم والقيادة والقوة. وذلك، ما عبر عنه سمو ولي العهد، حينما قال: “ نحن نستثمر في النفظ ليس للاعتماد عليه، بل لبناء اقتصاد لا يعتمد عليه”. فالتطور التكنولوجي هي السلطة الجديدة في العلاقات الدولية ومحرك التحالفات الفاعلة في المستقبل، هذه هي المعادلة الجديدة للقوة في القرن الحادي والعشرين. من أبوظبي 1981 إلى البحرين 2025: رحلة الخليج من “تحالف دفاعي” إلى “قوه فاعلة”  الرحلة من قمة أبوظبي 1981 إلى قمة البحرين 2025 هي رحلة تحول تاريخي من “تحالف دفاعي” يبحث عن البقاء في بيئة معادية، إلى “كيان جيوسياسي واقتصادي مركزي”لا يضمن فقط أمنه واستقراره، بل أصبح شريكاً لا غنى عنه في إدارة استقرار النظام الدولي بأسره. لقد انتقل الخليج من كونه “مشكلة” يتعين على العالم حلها، إلى “شريك” استراتيجي لحل العديد من المشاكل العالمية، ومن “تابع” لتقلبات النظام الدولي إلى “قائد” يصوغ جزءاً كبيراً من معادلاته، وطرفا فاعلا في حل أزمات الطاقة والاستقرار المالي والدبلوماسية العالمية. لم تكن الرحلة من قمة أبوظبي إلى قمة البحرين مجرد تغير في التواريخ والأماكن، بل كانت نقلة حضارية استراتيجية: جيوسياسيا: انتقلت دول الخليج من رد الفعل إلى المبادرة. لم تعد تنتظر تقلبات العالم، بل أصبحت تصنعها. دبلوماسية الوساطة التي قادت إلى تبادل الأسرى بين أمريكا وإيران، أو بين روسيا وأوكرانيا، لم تكن صدفة. إنها نتاج رؤية واستثمار في علاقات متعددة الأقطاب، جعل من عواصم الخليج وجهة ضرورية لكل الأطراف الدولية، وأثبتت أن القرار الخليجي أصبح مستقلاً وذا تأثير عالمي. اقتصادياً: تحولت من اقتصادات ريعية تعتمد على عوائد النفط إلى قوى اقتصادية متنوعة. “رؤية السعودية 2030” و”رؤية الإمارات 2071” وغيرهما ليست مجرد وثائق، بل هي برامج تحول كبرى. صناديق الثروة السيادية الخليجية هي اليوم “بنوك السيولة” العالمية، التي تموّل التقنية في وادي السليكون والمشاريع الخضراء في آسيا. لم يعد الخليج مجرد مصدر للطاقة، بل أصبح مصدراً للاستثمار والتقنية والابتكار، من “نيوم” إلى “مشروع إنجاز” البحريني، ومن مدينة مصدر إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. اليوم، ونحن على أعتاب القمة الخليجية السادسة والأربعين في البحرين، لم يعد السؤال عن البقاء، بل عن القيادة. لقد اكتملت الدورة، وتحول الخليج من هامش الأحداث إلى مركز صناعتها. من البقاء إلى صناعة المستقبل: لماذا “الاتحاد” أصبح ضرورة استراتيجية؟ عندما اجتمع قادة ست دول خليجية في أبوظبي قبل 44 عاماً، كانوا يبنون سوراً للدفاع المشترك. اليوم، وهم يستعدون للقمة الـ46 في البحرين، فإنهم أمام فرصة تاريخية لبناء صرح حضاري أكثر طموحاً: “الاتحاد الخليجي المرن”. اتحاد لا يعني الذوبان الكامل، بل التكامل الذكي المرن الذي يحترم الخصوصية ويحقق التقدم الجماعي. هذا التحول النوعي - من التابع إلى القائد - يتطلب إطاراً مؤسسياً أكثر تقدماً. لقد نجح “مجلس التعاون” في مهمته التاريخية، لكن عالم اليوم يتطلب مستوى أعلى من التكامل لمواجهة تحديين مصيريين: التنافس الدولي المحتدم على إقليمنا، وتسارع الثورة التكنولوجية والاقتصادية. في قمة البحرين، أمام القادة فرصة تاريخية لاختطاف المستقبل بجرأة أكبر. لقد نجح “مجلس التعاون” كمنصة للتنسيق، لكن التحديات القادمة والفرص السانحة تتطلب انتقالاً نوعياً إلى مرحلة “الاتحاد الخليجي”. التحديات موجودة، دون شك، من الخلافات الثنائية إلى مسألة السيادة. لكن النجاحات التي حققها المجلس، والتغيرات الجيوسياسية الخطيرة التي تحيط بالإقليم، تجعل من فكرة الاتحاد المرن قانونيا خياراً أكثر واقعية من أي وقت مضى. إنه الاستثمار الأكبر في أمن المستقبل ورفاهيته. فبناء هيكل قانوني يشكل المجلس في منظومة اتحاد وفق اتقاقية اطارية وبروتوكولات متخصصة تشكل هياكل هذه المنظومة قائمة على أساس السيادة والمساواة وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية والحماية القانونية للدول الأعضاء وإيجاد الاستراتيجية المتعلقة بالسياسة الخارجية وتعزيز الإسلام والأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي وتعزيز مكانة دول الخليج بالمجتمع الدولي وتجعله فاعلا ومؤثرا. فتشكيل قادتنا الاتحاد بإرادة ترسم التاريخ الحديث وفق رؤية استراتيجية واضحة سيكون لها دور مؤثر في النظام العالمي الجديد ويجعلة لاعبا مؤثرا وقائدا لتحالفات تعزز قوة المنطقة وجذورها التاريخية. الخليج على مفترق الطرق: نحو استراتيجية متعددة المحاور لتعزيز التوازن والإقليمي والدولي في خضم التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية المتسارعة، لم يعد دور مجلس التعاون الخليجي محصورًا في الدفاع عن الأمن الإقليمي فحسب، بل امتد ليكون لاعبًا رئيسيًا في صياغة التوازنات الدولية وضمان استقرارها. هذه المكانة الاستثنائية تتطلب تبني رؤية استراتيجية شاملة ومبتكرة، تعيد صياغة علاقات المجلس على جميع المستويات: مع القوى الكبرى، وفي المحيط الإقليمي العربي، وفي عمقه الخليجي. لمواجهة تحديات النظام العالمي متعدد الأقطاب، على دول المجلس الانتقال من دبلوماسية التحالف الأحادي إلى دبلوماسية “الشراكات الاستراتيجية المرنة”. هذا يتجلى في: 1 - الولايات المتحدة: من التحالف الأمني إلى الشراكة الشاملة يجب تطوير هذه العلاقة لتصبح شراكة في مجالات المستقبل: التكنولوجيا المتقدمة (الذكاء الاصطناعي، الفضاء، الأمن السيبراني)، والطاقة النظيفة، والاستثمار في الصناعات غير النفطية، وربط رؤى التنمية (مثل رؤية 2030) بشركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة. 2 - الصين: من العلاقة الاقتصادية إلى التوازن الاستراتيجي يجب تطوير العلاقة مع بكين لتتجاوز إطار “مبادرة الحزام والطريق” إلى شراكة استراتيجية أوسع تشمل الأمن الغذائي، والاستثمار الصناعي، والتكنولوجيا، مع الحفاظ على توازن دقيق يضمن عدم المساس بالعلاقات الاستراتيجية مع الحلفاء التقليديين. 3 - الاتحاد الأوروبي: شريك التحول الأخضر يمثل الاتحاد الأوروبي الشريك الأمثل للتحول نحو الاقتصاد الأخضر. يمكن التعاون في مشاريع الهيدروجين الأخضر، وتطوير كفاءة الطاقة، والبنية التحتية المستدامة، مما يعز أمن الطاقة طويل الأمد لدول المجلس. 4-   القوى الناشئة: شراكات الاستقرار طويل الأجل - الهند: شراكة استراتيجية في الأمن الغذائي، والطاقة، والرقمنة، والدفاع. - روسيا: تعميق التعاون في “أوبك+” وتوسيعه ليشمل الاستثمار في الغاز والطاقة النووية السلمية.    -مجموعة “بريكس: “BRICS” الانضمام كعضو كامل أو شريك استراتيجي يمنح المجلس منصة دولية بديلة، ويعزز نفوذه في الاقتصادات الناشئة، ويوسع دائرة خياراته الدبلوماسية. محاور القمة ومستقبل المنطقة  القمة الخليجية 46 هي فرصة تاريخية لتجاوز مرحلة التشاورات الى مرحلة التنفيذ . التحديات كبيرة ، ولكن فرص التعاون والتكامل أكبر . المطلوب هو إرادة سياسية لتحويل هذه المحاور إلى خطط عمل ذات موازنات وجداول زمنية واضحة لضمان أن تكون منطقة الخليج من صنع وتخطيط أبنائه . فالمحور السياسي والأمني: يتطلب أن يعيد مفهوم “ الأمن القومي الخليجي” واحتواء بؤر التوتر الاقليمي والتكامل الأمني والعسكري الخليجي . في الاطار الاقتصادي والتنمية: يتطلب تعزيز التكامل الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، التحول الرقمي والابتكار، الاستثمار في رأس المال البشري والتنمية المستدامة . أما المحاور الاستيراتيجية: تتطلب بحث، الدبلوماسية الاقتصادية والاستثمارية الهجومية، إنشاء صندوق خليجي للاستثمار الاستيراتيجي ، انشاء منظومة الخليج للطاقة المتجددة، الاستعداد للمستقبل ، والعمل على التكامل تحت سقف الأزمات والأمن البيئي والمائي والغذائي، هذه المقترحات قد تشكل عناصر هامة في الخريطة الاستيراتيجية وتجعل مشروع التكامل الخليجي مشروعا شاملا لضمان ازدهار الخليج وجعله في مصاف القوى المؤثرة في صناعة مستقبل البشرية . الخليج الموحد والقادر على إدارة علاقاته مع جميع الأطراف بذكاء ومرونة، ليس فقط قادرًا على حماية مصالحه، بل يصبح فاعلاً رئيسيًا في صناعة الاستقرار الإقليمي والدولي، وشريكًا لا غنى عنه في مواجهة التحديات العالمية من أمن الطاقة إلى مكافحة الإرهاب وبناء اقتصاد المستقبل.

 

‭* ‬د‭. ‬محمد‭ ‬رضا‭ ‬ابوحسين

‭* ‬محام‭ ‬ومحكم‭ ‬دولي