القمة الخليجية السادسة والأربعون.. قراءة في التحولات وتطلعات العمل الخليجي المشترك
| د.حورية الديري
القمة الخليجية 46.. بوابة عقد جديد من الاستقرار والازدهار الإقليمي الخليج في لحظة تحول: لماذا تمثل قمة البحرين نقطة ارتكاز للسياسات الإقليمية؟ ما بعد النفط.. القمة 46 ترسم معالم الاقتصاد الخليجي القائم على الكفاءات والمعرفةتنعقد القمة الخليجية السادسة والأربعون في البحرين وسط لحظة إقليمية شديدة التعقيد والتحول، حيث تشهد المنطقة إعادة تشكيل لمفاهيم التنمية، والأمن، والاقتصاد، والهوية الاجتماعية. ولذلك فإن دلالات هذه القمة تتجاوز كونها اجتماعا دوريا لأنها ومن واقع قيادي تعد إطارا لإعادة صياغة علاقة الخليج بالعالم، وتحديد شكل التعاون الداخلي في العقد القادم، وتثبيت رؤية مشتركة للتنمية والاستقرار. من منظور سياسي، تحمل هذه القمة بعدا مهما يتعلق بتماسك المنظومة الخليجية في عالم يتجه نحو التكتلات الكبرى. فالمشهد الدولي اليوم يعيد تعريف موازين القوة، وتبرز فيه تحديات تتعلق بالطاقة، والأمن الغذائي، والتحولات الجيوسياسية، والذكاء الاصطناعي كأداة صانعة للنفوذ. في هذا السياق، تبدو الحاجة إلى موقف خليجي منسجم ليست مجرد ترف سياسي، بل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار المنطقة وحماية مصالحها. إن قدرة دول الخليج على التحدث بصوت واحد في القضايا الإقليمية والدولية تمنحها وزنا تفاوضيا أعلى وتفتح أمامها مسارات أوسع لشراكات جديدة مع قوى الشرق والغرب، وهو ما يظهر بوضوح في تنامي الدبلوماسية الخليجية خلال السنوات الأخيرة. اقتصاديا، تقف دول الخليج أمام مرحلة ما بعد النفط من زاويتين: تنويع مصادر الدخل، وإعادة تعريف قيمة الاقتصاد نفسه. فالمنافسة العالمية في مجالات الطاقة الجديدة، والاقتصاد الرقمي، والتقنيات المتقدمة، لم تعد مرتبطة بالقدرة على الإنتاج فقط، بل بالقدرة على الابتكار، وبناء المعرفة، والاستثمار في الإنسان. وتأتي القمة لتؤكد ضرورة الانتقال من اقتصاد قائم على الموارد إلى اقتصاد قائم على الكفاءات، بحيث يصبح المواطن الخليجي - من طفل في فصول التعليم المبكر إلى شاب يدخل سوق العمل - هو الثروة الحقيقية التي تستوجب الاستثمار والتطوير. التنسيق الخليجي في سياسات السوق، والتعليم، والتقنية، والسياحة، والاقتصاد الأخضر، يمكن أن يمنح المنطقة قوة تفاوضية وتنموية مضاعفة، ويخلق فضاء اقتصاديا متكاملا قادرا على المنافسة عالميا. أما البعد الاجتماعي، وهو الأكثر عمقا وتأثيرا في أي مشروع مستقبلي، فيتطلب قراءة جديدة لطبيعة المجتمع الخليجي نفسه، فالمشهد الاجتماعي اليوم يتغير تحت ضغط التحولات الديموغرافية، وارتفاع سقف توقعات الفرد، وتوسع الفضاء الرقمي، وظهور أنماط جديدة للهوية والانتماء. ويمثل هذا الجانب تحديا وفرصة في الوقت ذاته: فهو يتطلب حماية التماسك الاجتماعي، وفي الوقت ذاته يمنح الدول فرصة لتجديد العقد الاجتماعي بينها وبين مواطنيها، من خلال تعزيز جودة الحياة، والرفاه الاجتماعي، والمشاركة المجتمعية، وتمكين الثقافة والإعلام باعتبارهما عنصرين أساسيين لبناء وعي حديث يحافظ على الهوية وينفتح على العالم. وتكتسب التنمية البشرية أهمية مضاعفة في هذه اللحظة التاريخية. فالعالم يتجه نحو معايير جديدة للقوة تعتمد على جودة رأس المال البشري، لا على وفرة الموارد. في هذا السياق، تصبح ملفات التعليم والصحة والمهارات والبيئة والابتكار عوامل مركزية في قياس جهوزية المجتمعات للمستقبل. وتأتي القمة لتعزز التوجه نحو صياغة رؤية خليجية مشتركة تضع الإنسان في قلب معادلة التنمية، من خلال تطوير منظومات التعليم، دعم الموهوبين، حماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي، وتمكين الشباب من المشاركة في صياغة السياسات، بما يجعل كل فرد جزءا من عملية التنمية، وليس متلقيا لها فقط. إن أبرز ما تشير إليه هذه القمة هو إدراك دول الخليج بأن المستقبل لا يُبنى بجهود متفرقة، وأن استدامة التنمية تحتاج إلى تكامل حقيقي في الرؤى والسياسات. فالتحديات العابرة للحدود - من البيئة إلى الأمن السيبراني إلى التحولات الديموغرافية - لا يمكن لأي دولة مواجهتها منفردة، بل عبر إطار تعاون مرن وفعال، يستند إلى مبدأ المصير المشترك. في النهاية، تمثل القمة الخليجية السادسة والأربعون فرصة لإعادة صياغة مشروع التكامل الخليجي وفق منظور جديد: منظور يركز على الإنسان، ويقرأ التحولات العالمية بوعي، ويتعامل مع التنمية كمشروع ثقافي واقتصادي واجتماعي متكامل، لا كمجموعة مبادرات منفصلة. وإذا استطاعت دول المنطقة تحويل هذه القمة إلى منصة لإطلاق رؤية تنموية مشتركة، فإن الخليج سيكون أمام عقد جديد من الاستقرار والازدهار، قادرا على مواجهة المستقبل بثقة وشراكة وفاعلية.
*د. حورية الديري
* كاتبة وأكاديمية بحرينية