القمة الخليجية السادسة والأربعون: ترسيخ وحدة المصير وتعزيز مستقبل العمل النقابي الخليجي المشترك

| هيثم الرشدان

من‭ ‬حماية‭ ‬الحقوق‭ ‬إلى‭ ‬تنمية‭ ‬الإنسان‮…‬‭ ‬كيف‭ ‬يعزّز‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬مسيرة‭ ‬النقابات‭ ‬في‭ ‬المنطقة؟ البحرين‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬القمة‭ ‬الخليجية‭: ‬تكامل‭ ‬اقتصادي‭ ‬ونقابي‭ ‬يعيد‭ ‬صياغة‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬الخليجي التحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يفرض‭ ‬أدوارًا‭ ‬جديدة‭ ‬للنقابات‮…‬‭ ‬والقمة‭ ‬الـ46‭ ‬تفتح‭ ‬الطريق‭ ‬لرؤية‭ ‬موحدة

 

تستضيف‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬القمة‭ ‬الخليجية‭ ‬السادسة‭ ‬والأربعين‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬دقيقة‭ ‬تتعاظم‭ ‬فيها‭ ‬التحديات‭ ‬وتتسارع‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭. ‬وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬القمة‭ ‬لتؤكد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬قوة‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬وقدرته‭ ‬المستمرة‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬مواقف‭ ‬موحدة،‭ ‬وصناعة‭ ‬مبادرات‭ ‬تكاملية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأطر‭ ‬التقليدية‭ ‬للتعاون،‭ ‬وتعكس‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬بأن‭ ‬استقرار‭ ‬وازدهار‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬استقرار‭ ‬وازدهار‭ ‬بقية‭ ‬الدول‭.‬

منذ‭ ‬تأسيس‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬عام‭ ‬1981،‭ ‬لعبت‭ ‬المنظمة‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًّا‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬العمل‭ ‬المشترك‭ ‬وتوحيد‭ ‬الرؤى‭ ‬تجاه‭ ‬القضايا‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭. ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬التجربة‭ ‬الخليجية‭ ‬عبر‭ ‬العقود،‭ ‬بَرَزَت‭ ‬مجالات‭ ‬جديدة‭ ‬للتعاون‭ ‬تتجاوز‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬وتلامس‭ ‬جودة‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬الخليجي،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬العمل‭ ‬النقابي‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لحماية‭ ‬العاملين‭ ‬وتنمية‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والخدمية‭.‬

أثر‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬العمل‭ ‬النقابي‭ ‬الخليجي

رغم‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬النقابية‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬الأطر‭ ‬التي‭ ‬وفرها‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لعبت‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحًا‭ ‬للتواصل‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬بين‭ ‬النقابات‭ ‬والاتحادات‭ ‬العمالية‭. ‬فقد‭ ‬أسهمت‭ ‬اللجان‭ ‬الوزارية‭ ‬الخليجية،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬اجتماعات‭ ‬وزراء‭ ‬العمل‭ ‬ولجان‭ ‬القوى‭ ‬العاملة،‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬معايير‭ ‬مشتركة‭ ‬للسياسات‭ ‬العمالية،‭ ‬وتطوير‭ ‬برامج‭ ‬التدريب،‭ ‬والاهتمام‭ ‬بملفات‭ ‬التوطين،‭ ‬وبيئة‭ ‬العمل،‭ ‬وحماية‭ ‬الحقوق‭.‬

كما‭ ‬أتاح‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬مساحة‭ ‬مهمة‭ ‬للنقابات‭ ‬الخليجية‭ ‬للتلاقي‭ ‬عبر‭ ‬المؤتمرات‭ ‬والملتقيات‭ ‬المهنية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ساعد‭ ‬—‭ ‬وإن‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي‭ ‬—‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬تفاهمات‭ ‬مشتركة‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬النقابات‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتعزيز‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والالتزام‭ ‬بمعايير‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬والمحلية‭.‬

وفي‭ ‬البحرين،‭ ‬وهي‭ ‬الدولة‭ ‬الرائدة‭ ‬خليجيًا‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬النقابي،‭ ‬ساعد‭ ‬هذا‭ ‬التواصل‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الخبرات‭ ‬وتبادل‭ ‬أفضل‭ ‬الممارسات،‭ ‬وأكسبَ‭ ‬العمل‭ ‬النقابي‭ ‬بعدًا‭ ‬خليجيًا‭ ‬أوسع،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬المصرفية‭ ‬والمالية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬ترابطًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنطقة‭.‬

دعم‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لمسارات‭ ‬التنمية‭ ‬وأثره‭ ‬على‭ ‬النقابات

التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬—‭ ‬مثل‭ ‬رؤى‭ ‬التنمية‭ ‬الوطنية،‭ ‬والتنويع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬تنافسي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬—‭ ‬تفرض‭ ‬دورًا‭ ‬جديدًا‭ ‬للنقابات‭. ‬فهذه‭ ‬التحولات‭ ‬تتطلب‭ ‬قوة‭ ‬عمل‭ ‬مؤهلة،‭ ‬ومناخًا‭ ‬وظيفيًّا‭ ‬صحيًّا،‭ ‬وتوازنًا‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬العاملين‭ ‬ومقتضيات‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬التكامل‭ ‬الخليجي‭ ‬لعب‭ ‬دورًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬النقابات‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬سواء‭ ‬في‭:‬

‭- ‬تشجيع‭ ‬التدريب‭ ‬المهني‭ ‬المتخصص‭.‬

‭- ‬دعم‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة‭ ‬والشفافية‭ ‬داخل‭ ‬أماكن‭ ‬العمل‭.‬

‭- ‬تعزيز‭ ‬مشاركة‭ ‬المرأة‭ ‬والشباب‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭.‬

‭- ‬تحسين‭ ‬معايير‭ ‬السلامة‭ ‬المهنية‭.‬

‭- ‬دعم‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬أطراف‭ ‬الإنتاج‭ ‬الثلاثة‭: ‬الحكومة،‭ ‬أصحاب‭ ‬الأعمال،‭ ‬والنقابات‭.‬

وهذه‭ ‬عناصر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تطويرها‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الإطار‭ ‬الخليجي‭ ‬المشترك‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬مظلة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لدول‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬المستقبل‭.‬

مستقبل‭ ‬العمل‭ ‬النقابي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‮…‬‭ ‬نحو‭ ‬رؤية‭ ‬مشتركة

إن‭ ‬انعقاد‭ ‬القمة‭ ‬الخليجية‭ ‬السادسة‭ ‬والأربعين‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬يمثل‭ ‬فرصة‭ ‬لبناء‭ ‬رؤية‭ ‬نقابية‭ ‬خليجية‭ ‬مستقبلية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭:‬

1‭. ‬إنشاء‭ ‬منصة‭ ‬خليجية‭ ‬دائمة‭ ‬للنقابات‭ ‬والاتحادات‭ ‬المهنية‭ ‬لتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬وتطوير‭ ‬سياسات‭ ‬مشتركة‭.‬

2‭. ‬تعزيز‭ ‬مواءمة‭ ‬التشريعات‭ ‬العمالية‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬حماية‭ ‬الحقوق‭ ‬وتحسين‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬عبر‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭.‬

3‭. ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬العنصر‭ ‬البشري‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برامج‭ ‬تدريب‭ ‬عابر‭ ‬للحدود‭ ‬تستفيد‭ ‬منه‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬والمصرفي‭.‬

4‭. ‬تقوية‭ ‬دور‭ ‬النقابات‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬عبر‭ ‬الحوار‭ ‬البنّاء‭ ‬مع‭ ‬الحكومات‭ ‬وأصحاب‭ ‬الأعمال‭.‬

5‭. ‬تشجيع‭ ‬الدراسات‭ ‬المتخصصة‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وتأثيرهما‭ ‬على‭ ‬المهن‭ ‬التقليدية‭.‬

وختامًا،‭ ‬إن‭ ‬القمة‭ ‬الخليجية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬محطة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬تسير‭ ‬بخطى‭ ‬ثابتة‭ ‬نحو‭ ‬تكامل‭ ‬أكبر،‭ ‬وتنمية‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة،‭ ‬وإنسان‭ ‬خليجي‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬مستقبله‭. ‬ويظل‭ ‬العمل‭ ‬النقابي‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المسيرة،‭ ‬وعنصرًا‭ ‬داعمًا‭ ‬للاستقرار،‭ ‬وشريكًا‭ ‬في‭ ‬التنمية،‭ ‬وجسرًا‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬طموحات‭ ‬العاملين‭ ‬وأهداف‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الخليجية‭ ‬الصاعدة‭.‬

وبينما‭ ‬تحتضن‭ ‬البحرين‭ ‬هذه‭ ‬القمة‭ ‬المهمة،‭ ‬يتجدد‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المستقبل‭ ‬الخليجي‭ ‬أكثر‭ ‬وحدة،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات،‭ ‬وأكثر‭ ‬التزامًا‭ ‬بتنمية‭ ‬الإنسان‭ ‬وحماية‭ ‬حقوقه‭.‬

 

‭*‬هيثم‭ ‬الرشدان

‭* ‬رئيس‭ ‬نقابة‭ ‬المصرفيين‭ ‬البحرينية