من قلب الأزمات.. مجلس التعاون وقصة نجاح استثنائية

| أحمد جعفر

من‭ ‬قلب‭ ‬الأزمات‮…‬‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬يبني‭ ‬أنجح‭ ‬قصة‭ ‬استقرار‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط الخليج‮…‬‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬استثنائي‭ ‬لم‭ ‬يتكرر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬منطقة‭ ‬أخرى من‭ ‬الصحراء‭ ‬إلى‭ ‬العواصم‭ ‬العالمية‮…‬‭ ‬التجربة‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الثروة‭ ‬والتنمية مجلس‭ ‬التعاون‮…‬‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لاستقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬ونهضتها‭ ‬الحديثة

في‭ ‬وقت‭ ‬تحولت‭ ‬فيه‭ ‬دول‭ ‬غنية‭ ‬بالموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬للقتال‭ ‬والدمار،‭ ‬تبرز‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬كنقطة‭ ‬مضيئة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬سوى‭ ‬الأزمات‭ ‬والصراعات‭.‬

النموذج‭ ‬الخليجي‭ ‬الفريد‭ ‬أثبت‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬الحكيمة‭ ‬للثروة‭ ‬وتوظيف‭ ‬الموارد‭ ‬بطريقة‭ ‬عقلانية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والتنمية‭ ‬فالرخاء‭ ‬للمجتمعات‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭. ‬

لقد‭ ‬نجحت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬الست‭ (‬السعودية،‭ ‬الإمارات،‭ ‬البحرين،‭ ‬الكويت،‭ ‬عُمان‭ ‬وقطر‭) ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬سلعة‭ ‬تصديرية‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬اقتصادي‭ ‬يحقق‭ ‬نهضة‭ ‬تنموية‭ ‬شاملة‭ ‬غيرت‭ ‬وجه‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬الصحراء‭ ‬إلى‭ ‬المدن‭ ‬العالمية‭ ‬اللامعة‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬شهدته‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬منذ‭ ‬الستينيات‭ ‬والسبعينيات‭ ‬وحتى‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬سوى‭ ‬بأنه‭ ‬تحول‭ ‬تاريخي‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬أي‭ ‬حضارة‭ ‬إنسانية‭ ‬أخرى‭ (‬باستثناء‭ ‬تجربة‭ ‬الصين‭).‬

في‭ ‬حقبة‭ ‬الاستقلال،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬مدن‭ ‬متطورة‭ ‬ولا‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬حديثة‭ ‬ولا‭ ‬جامعات‭ ‬مرموقة‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬مؤسسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬عملاقة‭. ‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬استطاعت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬عبر‭ ‬حكومات‭ ‬متعاقبة‭ ‬تملك‭ ‬رؤية‭ ‬طموحة‭ ‬أن‭ ‬تستثمر‭ ‬عائدات‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬العمران،‭ ‬وفي‭ ‬تأسيس‭ ‬منظومة‭ ‬خدمية‭ ‬واجتماعية‭ ‬غيّرت‭ ‬شكل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬لمواطنيها‭ ‬والمقيمين‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭.‬

إن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بالإنفاق‭ ‬الحكومي؛‭ ‬بل‭ ‬بإدارة‭ ‬موارد‭ ‬الدولة‭ ‬واستثمارها‭ ‬بطريقة‭ ‬تضمن‭ ‬ديمومتها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬السنين،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬صناديق‭ ‬الثروة‭ ‬السيادية‭ ‬الخليجية‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الفوائض‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬مربحة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬بمبالغ‭ ‬تتجاوز‭ ‬تريليونات‭ ‬الدولارات‭.‬

فمن‭ ‬شراء‭ ‬حصص‭ ‬في‭ ‬شركات‭ ‬كبرى‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الفائقة‭ ‬والطاقة‭ ‬النظيفة،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬العقارات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وتمويل‭ ‬مشاريع‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬شنغهاي‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬ومن‭ ‬باريس‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك‭.‬

وبالتالي،‭ ‬انعكست‭ ‬تلك‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الضخمة‭ ‬على‭ ‬الداخل‭ ‬الخليجي،‭ ‬فأصبحت‭ ‬المدن‭ ‬الخليجية‭ ‬مراكز‭ ‬عالمية،‭ ‬فدبي‭ ‬محور‭ ‬مالي‭ ‬وتجاري‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله،‭ ‬والدوحة‭ ‬لاعب‭ ‬دبلوماسي‭ ‬واقتصادي‭ ‬مؤثر‭.‬

أما‭ ‬أبوظبي‭ ‬فأضحت‭ ‬مركز‭ ‬استثمار‭ ‬عالميا‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬مختلفة‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والرياض‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬صاعدة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬فيما‭ ‬تشكل‭ ‬المنامة‭ ‬والكويت‭ ‬ومسقط‭ ‬شرايين‭ ‬متوازنة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الخليج‭ ‬الاقتصادية‭.‬

وسط‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬خلال‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬لعب‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬دورًا‭ ‬أساسًا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬تأسس‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1981‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬صفيح‭ ‬ساخن‭: ‬حرب‭ ‬طاحنة‭ ‬بين‭ ‬العراق‭ ‬وإيران‭ ‬تهدد‭ ‬بإشعال‭ ‬المنطقة‭ ‬برمتها‭.‬

لذلك،‭ ‬جاء‭ ‬القرار‭ ‬بتأسيس‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬خطوة‭ ‬سياسية‭ ‬وقائية‭ ‬في‭ ‬بدايته،‭ ‬هدفها‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬وبناء‭ ‬موقف‭ ‬موحد‭ ‬تجاه‭ ‬المخاطر‭ ‬المشتركة‭ ‬لدول‭ ‬تجمعها‭ ‬جذور‭ ‬ثقافية‭ ‬واحدة‭ ‬ويربطها‭ ‬الدم‭ ‬والمصير‭ ‬المشترك‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬لم‭ ‬يبقَ‭ ‬مجرد‭ ‬مؤسسة‭ ‬تكامل‭ ‬أمني؛‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تنموية‭ ‬فعالة‭ ‬وتحالف‭ ‬صنع‭ ‬مستقبل‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭.‬

لقد‭ ‬ساهمت‭ ‬آليات‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬توحيد‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتسهيل‭ ‬التنقل‭ ‬للمواطنين،‭ ‬وجعل‭ ‬حركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬سلسلة،‭ ‬ووحدت‭ ‬المعايير‭ ‬الجمركية،‭ ‬وعملت‭ ‬على‭ ‬تنسيق‭ ‬المشروعات‭ ‬التنموية‭. ‬

يمكن‭ ‬القول‭ ‬ببساطة‭ ‬إن‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للثقة‭ ‬والتكامل‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وعامل‭ ‬الاستقرار‭ ‬الذي‭ ‬سمح‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬التنمية‭ ‬الداخلية‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬ينظر‭ ‬كثيرون‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الأوسع‭ ‬فيجدون‭ ‬مفارقة‭ ‬موجعة‭: ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬وإسلامية‭ ‬تمتلك‭ ‬الثروات‭ ‬الطبيعية‭ ‬والبشرية،‭ ‬لكنها‭ ‬عاشت‭ ‬عقودًا‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬والفقر‭.‬

وبينما‭ ‬ضاعت‭ ‬موارد‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬والاقتتال‭ ‬الداخلي‭ ‬والمشاريع‭ ‬السياسية‭ ‬الفاشلة،‭ ‬حافظت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬على‭ ‬استقرارها‭ ‬ووزعت‭ ‬ثرواتها‭ ‬بطريقة‭ ‬تحقق‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭.‬

هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بلا‭ ‬تحديات‭ ‬أو‭ ‬اختلافات‭ ‬داخلية؛‭ ‬فهناك‭ ‬تباين‭ ‬في‭ ‬الرؤى‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬حول‭ ‬بعض‭ ‬الملفات،‭ ‬وهناك‭ ‬أيضًا‭ ‬تفاوت‭ ‬في‭ ‬المبادرات‭ ‬ومدى‭ ‬جرأة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مسارات‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬تتقدم‭ ‬بالسرعة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دولة‭. ‬

لكن‭ ‬رغم‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬45‭ ‬عامًا‭ ‬يعد‭ ‬إنجازًا‭ ‬هائلًا‭ ‬مقارنة‭ ‬بمنطقة‭ ‬جغرافية‭ ‬كانت‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬مشتعلة‭.‬

إن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬قصة‭ ‬نفط‭ ‬فقط؛‭ ‬بل‭ ‬حكاية‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬واستثمار‭ ‬ذكي‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬فهي‭ ‬بنجاحها‭ ‬ترسل‭ ‬رسالة‭ ‬مفادها‭ ‬بأن‭ ‬الثروة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الموارد،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬العقول‭ ‬التي‭ ‬يمكنها‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬الثروات‭ ‬واستخدامها،‭ ‬وأن‭ ‬النجاح‭ ‬جاء‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بالحكمة‭ ‬والبناء‭ ‬المؤسسي‭ ‬والعمل‭ ‬المستدام‭.‬

لقد‭ ‬نجحت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬نموذج‭ ‬استثنائي‭ ‬من‭ ‬التنمية‭ ‬ووضع‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬الخارطة‭ ‬العالمية‭ ‬كقوى‭ ‬مؤثرة‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬ودبلوماسيًّا‭ ‬وثقافيًّا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬سوى‭ ‬الصراعات،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬الأنموذج‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬التجارب‭ ‬إلهامًا‭.‬