المستقبل خليجي

| د.حورية الديري

أتابع باهتمام كل ما يعرض عن الجناح الخاص بالقمة الخليجية السادسة والأربعين، تلك المساحة المصممة التي جاءت تروي قصة دول الخليج، وتستحضر صور وتجارب الماضي وتفتح النوافذ الواسعة على المستقبل. لقد نجح الجناح في صنع التوازن الدقيق بين الهوية المشتركة والرؤية التنموية الواعدة، مقدّمًا نموذجًا متقدمًا فيما تقدمه المعارض المصاحبة للفعاليات السياسية الكبرى حينما تتحول إلى منصات وعي وتثقيف، فما يلفت الانتباه هو العناية بتقديم تاريخ العمل الخليجي بصياغة حديثة تُظهر المسار الذي قطعه مجلس التعاون منذ تأسيسه حتى القمة الحالية. لم يكن الهدف سرد الأحداث بقدر ما كان إبراز التحولات الكبرى التي صنعتها التجارب السياسية والاقتصادية والتنموية للدول الأعضاء. وهنا تحديدًا يكتشف الزائر أن المشروع الخليجي أعمق من لحظة سياسية، وأنه يمتد كجسرٍ من الطموح نحو صياغة نموذج إقليمي مختلف. أما التجربة المرئية في الجناح فإنها تتيح فهمًا حيًّا لطبيعة الأولويات الخليجية اليوم: الأمن الإقليمي، التنويع الاقتصادي، التحول الرقمي، الرفاه الاجتماعي، وتمكين الإنسان الخليجي في بيئة عالمية تتغير بسرعة. وقد تمكّن الجناح بأسلوب جذاب من تبسيط الملفات الكبرى وإتاحتها للجمهور، ويحسب للقائمين على الجناح أنهم نجحوا في تقديم الهوية الخليجية بوصفها هوية جامعة؛ فالمواد البصرية التي عُرضت – من التراث والعمارة والموسيقى إلى مشاريع المدن الذكية والطاقة المتجددة – قدمت سردية تقول إن الخليج في جوهره مشروع إنسان قبل أن يكون مشروع دولة، كما أظهر الجناح قدرة لافتة على ربط المواطن بالقضايا الكبرى؛ ففي المحطات التفاعلية توجد مساحة للتعرّف على المبادرات التنموية التي تُعدّ اليوم جزءًا من مستقبل المنطقة: الاقتصاد الإبداعي، التعليم المستقبلي، الذكاء الاصطناعي، والبرامج الاجتماعية المشتركة. وبذلك يجسّد الجناح معنى “القمة” بمعناها الأعمق باعتبارها قمة وعي وثقافة وهوية مستقبلية تمتد نحو الأجيال القادمة، لذلك نحيي كل جهد بذل من أجل هذه البصمة التاريخية.