واشنطن وبغداد.. حسابات المواجهة الهادئة مع إيران
| أحمد جعفر
بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي فاز فيها تحالف الإعمار والتنمية بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، لا يزال طريق تشكيل الحكومة العراقية الجديدة في بدايته، وسط توتر أميركي إيراني وحسابات كل طرف منهما حول مستقبل النفوذ في بلاد الرافدين. من الخطأ الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستحاول التعايش مع الوجود السياسي والعسكري للفصائل الموالية لإيران في العراق باعتباره “أمرًا واقعًا”، لاسيما مع المتغيرات التي جرت بالمنطقة خلال العامين الماضيين. إن الحسابات الأميركية في العراق لمرحلة ما بعد الانتخابات تدخل مرحلة جديدة مختلفة عما كان سائدًا خلال العقد الماضي في ظل تغير المزاج العام الشعبي، والذي أصبح يميل للدولة المدنية المستقلة في قرارها أكثر من الآيديولوجيا التي كانت تشكل صندوق الاقتراع خلال العقدين الماضيين. اليوم، أصبحت واشنطن تنظر إلى الانتخابات العراقية الأخيرة كمفترق طرق لاحتواء النفوذ الإيراني؛ فصعود كتلة رئيس الوزراء السوداني يمنح الولايات المتحدة فرصة لإعادة تشكيل العلاقة مع بغداد عبر أدوات اقتصادية ومالية ومؤسساتية، وليس عبر الصدام العسكري المباشر، فالعراق يعتمد على النظام المالي الأميركي وعلى وصوله للدولار عبر الاحتياطي الفدرالي، وهذه ورقة ضغط لا تنوي واشنطن التفريط بها أمام نفوذ إيران الذي يأتي من الميليشيات العسكرية الموالية لها. كما تملك الولايات المتحدة الآن قناعة متزايدة بأن “التطبيع المؤسساتي” لميليشيات الحشد الشعبي داخل الدولة العراقية يحمل مخاطر بعيدة المدى؛ فهذه الكيانات حتى لو ارتدت ثوبًا سياسيًّا داخل المكاتب، فإنها تبقى جزءًا من منظومة أمنية مرتبطة بطهران أكثر من ارتباطها بالدولة العراقية. لذلك، فإن واشنطن ستعمل على سياسة “التجفيف البطيء” لمصادر التمويل والتسليح والشرعية المؤسسية للميليشيات المسلحة عبر أدوات ضغط تجمع بين العقوبات والتصنيف على قوائم الإرهاب بدلًا من الصدام المباشر معها. بالنسبة للولايات المتحدة، فإنه من المهم أن يكون العراق جزءًا من معادلة إقليمية أكبر يقيم فيها علاقات متوازنة مع إيران، لكن في الوقت ذاته لا يمكن فصل بغداد عن المحيط الخليجي وربطه اقتصاديًّا بدول مجلس التعاون لمحاولة فطم الدولة العراقية عن الغاز الإيراني. ومن هنا، فإن واشنطن تراهن على عراق أكثر انفتاحًا على السعودية والإمارات ودول الاعتدال العربي، ما يساهم في تراجع وزن إيران بشكل طبيعي دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة، وهذه استراتيجية تعتمد على احتواء ومحاصرة النفوذ الإيراني عبر طرق بديلة عن استخدام القوة العسكرية. اليوم، لا يبدو أن الولايات المتحدة تسعى لصدام مباشر مع إيران داخل العراق، لكنها أيضًا لم تعد في وضع القبول بالميليشيات المسلحة، حيث إن المرحلة الجديدة ستعيد تعريف سقف التسامح الأميركي مع “السلاح المنفلت” داخل العراق ومحاولة تقليصه تدريجيًّا. وبالتالي: فإن واشنطن تريد عراقًا جديدًا يحاول فيه اكتشاف هويته العربية بعيدًا عن الوصاية الإيرانية عبر حسابات ما يمكن تعريفه بـ “المواجهة الهادئة”.
كاتب بحريني