“قمة البحرين”.. فرصة لترسيخ التكامل وتجديد الثقة

| عبدالنبي الشعلة

في‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025‭ ‬تستقبل‭ ‬البحرين‭ ‬أصحابَ‭ ‬الجلالة‭ ‬والسمو‭ ‬قادة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬حفظهم‭ ‬الله‭ ‬ورعاهم،‭ ‬ضيوفًا‭ ‬على‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬السادسة‭ ‬والأربعين‭ ‬للمجلس‭ ‬الأعلى‭. ‬والبحرين،‭ ‬قيادةً‭ ‬وحكومةً‭ ‬وشعبًا،‭ ‬ترحّب‭ ‬بالضيوف‭ ‬الكرام‭ ‬وتتمنى‭ ‬لهم‭ ‬كل‭ ‬النجاح‭ ‬والتوفيق‭ ‬في‭ ‬أعمالهم‭.‬

وحين‭ ‬تفتح‭ ‬البحرين‭ ‬أبوابها‭ ‬لقادة‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تستقبل‭ ‬وفودًا‭ ‬رسمية‭ ‬رفيعة‭ ‬المستوى‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تحتضن‭ ‬آمال‭ ‬شعوب،‭ ‬وتطلعات‭ ‬أجيال،‭ ‬ورغبة‭ ‬صادقة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬الخليجي‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬وتماسكًا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عالم‭ ‬شديد‭ ‬الاضطراب‭ ‬وسريع‭ ‬التغير؛‭ ‬فالقمة‭ ‬القادمة‭ ‬ليست‭ ‬مناسبة‭ ‬بروتوكولية‭ ‬على‭ ‬جدول‭ ‬السياسة،‭ ‬بل‭ ‬محطة‭ ‬تُختبر‭ ‬فيها‭ ‬إرادتنا‭ ‬الجماعية،‭ ‬ويُقاس‭ ‬فيها‭ ‬مدى‭ ‬تصميم‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬على‭ ‬المضي‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل‭ ‬بثقة‭ ‬وشجاعة‭.‬

لقد‭ ‬باتت‭ ‬الأزمات‭ ‬العالمية‭ ‬والأحداث‭ ‬الإقليمية‭ ‬تتقاطر‭ ‬على‭ ‬منطقتنا‭ ‬بلا‭ ‬انقطاع، تقلبات‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬والاضطرابات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬وتغير‭ ‬خرائط‭ ‬النفوذ،‭ ‬والتوترات‭ ‬الأمنية.. كلها‭ ‬تفرض‭ ‬نفسها‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬وكأن‭ ‬الزمن‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يختبر‭ ‬صلابة‭ ‬الخليج‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬العواصف‭.

‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬دولنا‭ ‬مرارًا‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬التحديات‭ ‬إلى‭ ‬فرص،‭ ‬وعلى‭ ‬الوقوف‭ ‬صفًا‭ ‬واحدًا‭ ‬حين‭ ‬تشتد‭ ‬الأزمات‭.‬

وتقف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬فرص‭ ‬نوعية‭ ‬لإعادة‭ ‬رسم‭ ‬مستقبلها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي؛‭ ‬فمشروعات‭ ‬التحول‭ ‬الوطني‭ ‬والتنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تنطلق‭ ‬بوتيرة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬وقطاعات‭ ‬جديدة‭ ‬تتبلور‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والصناعة‭ ‬والسياحة،‭ ‬فيما‭ ‬يبحث‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬عن‭ ‬فضاء‭ ‬خليجي‭ ‬أوسع‭ ‬يساعده‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬والابتكار،‭ ‬وتتابع‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬باهتمام‭ ‬دور‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬والاستثمار‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الرقمي‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يصبح‭ ‬لزامًا‭ ‬على‭ ‬القمة‭ ‬القادمة‭ ‬أن‭ ‬تلتفت‭ ‬بجدية‭ ‬إلى‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬الدول‭ ‬الأقل‭ ‬حظًا‭ ‬في‭ ‬المجموعة؛‭ ‬فهذه‭ ‬الدول‭ ‬قدمت‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬نموذجًا‭ ‬في‭ ‬الالتزام‭ ‬بوحدة‭ ‬الصف‭ ‬والمصلحة‭ ‬الخليجية‭ ‬المشتركة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التحديات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬اليوم‭ ‬تتطلب‭ ‬برامج‭ ‬دعم‭ ‬وإسناد‭ ‬سخية،‭ ‬راسخة،‭ ‬وبعيدة‭ ‬الأثر،‭ ‬تُعيد‭ ‬إليها‭ ‬القدرة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬التطور‭ ‬والنمو‭ ‬التي‭ ‬تحتاجها‭ ‬المنطقة؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬ـ‭ ‬ولا‭ ‬يصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬أحد‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬حلقات‭ ‬ضعيفة‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬التكامل‭.‬

إن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬وقوتها‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬كله،‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬عندما‭ ‬دعم‭ ‬إسبانيا‭ ‬والبرتغال‭ ‬واليونان‭ ‬بسخاء‭ ‬عند‭ ‬انضمامهما،‭ ‬ثم‭ ‬كرر‭ ‬التجربة‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفياتي؛‭ ‬فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬تلك‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬التكامل‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والأطراف،‭ ‬وأن‭ ‬النهضة‭ ‬الشاملة‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬ينهض‭ ‬الأقوى‭ ‬بالأضعف‭.‬

وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬القمة‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬النوايا‭ ‬الطيبة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬القرارات‭ ‬الجريئة،‭ ‬وتحويل‭ ‬الآمال‭ ‬والطموحات‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬عمل‭ ‬واضحة‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬والقياس‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬خليجية‭ ‬أكثر‭ ‬ترابطًا،‭ ‬وإلى‭ ‬أمن‭ ‬مشترك‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة،‭ ‬وإلى‭ ‬صوت‭ ‬إقليمي‭ ‬أكثر‭ ‬حضورًا‭ ‬وتأثيرًا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬إلا‭ ‬بالقوة‭ ‬الجماعية‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الأمني،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬دفاعية‭ ‬مشتركة‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى؛‭ ‬فالتحديات‭ ‬الأمنية‭ ‬الحديثة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحدود،‭ ‬وتفرض‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري‭ ‬والأمني،‭ ‬وتطوير‭ ‬القدرات‭ ‬السيبرانية،‭ ‬وإنشاء‭ ‬منظومات‭ ‬إنذار‭ ‬مبكر،‭ ‬وتنسيقا‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاستخبارات‭ ‬والدفاع‭. ‬إن‭ ‬حماية‭ ‬الخليج‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية،‭ ‬وركن‭ ‬أساس‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬المصير‭ ‬المشترك‭.‬

إن‭ ‬استضافة‭ ‬البحرين‭ ‬لأعمال‭ ‬القمة،‭ ‬تأكيد‭ ‬لدورها‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬أواصر‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬ودفع‭ ‬الحوار‭ ‬نحو‭ ‬حلول‭ ‬متوازنة؛‭ ‬فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬المنامة‭ ‬دائمًا‭ ‬أنها‭ ‬صوت‭ ‬الحكمة‭ ‬والاتزان،‭ ‬وأنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬صوغ‭ ‬مساحات‭ ‬مشتركة‭ ‬تلتقي‭ ‬عندها‭ ‬الرؤى‭ ‬وتتوحد‭ ‬عندها‭ ‬المواقف،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يفرق‭ ‬الصف‭ ‬ويشتت‭ ‬الجهود‭.‬

ونحن‭ ‬على‭ ‬أعتاب‭ ‬القمة،‭ ‬تتجدد‭ ‬آمال‭ ‬شعوب‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬القمة‭ ‬قمة‭ ‬للفرص،‭ ‬وقمة‭ ‬لقرارات‭ ‬جريئة‭ ‬ترسخ‭ ‬الثقة‭ ‬وتدفع‭ ‬بمسيرة‭ ‬التعاون‭ ‬خطوات‭ ‬واسعة‭ ‬إلى‭ ‬الأمام؛‭ ‬فدول‭ ‬الخليج‭ ‬تمتلك‭ ‬اليوم‭ ‬رصيدًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬من‭ ‬الموارد،‭ ‬ومشروعات‭ ‬كبرى،‭ ‬وقدرات‭ ‬مالية‭ ‬واستثمارية‭ ‬متنامية،‭ ‬وشعوبًا‭ ‬شابة‭ ‬تتمتع‭ ‬بالإبداع‭ ‬والطموح،‭ ‬وتطمح‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬غدًا‭ ‬أكثر‭ ‬إشراقًا‭ ‬وتقدمًا‭.‬

إن‭ ‬المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬التمسك‭ ‬بروح‭ ‬المبادرة،‭ ‬والالتقاء‭ ‬عند‭ ‬نقاط‭ ‬القوة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التكامل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات؛‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬منصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لصناعة‭ ‬المستقبل،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬إطار‭ ‬للتشاور‭ ‬وتبادل‭ ‬الآراء؛‭ ‬فقمة‭ ‬البحرين‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬اجتماع،‭ ‬بل‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬بأن‭ ‬الخليج،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬التحديات،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬موحدًا‭ ‬في‭ ‬رؤيته،‭ ‬ثابتًا‭ ‬في‭ ‬مواقفه،‭ ‬مؤمنًا‭ ‬بثوابته،‭ ‬ومصممًا‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬دوره‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬مستقبل‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭.‬