رؤية الأطفال.. حق قانوني وأثر اقتصادي

| رجب قاسم

مما لا شك فيه أن حق الطفل في رؤية والديه بعد انفصال الأسرة أصبح من أهم القضايا التي تتقاطع فيها العدالة القانونية مع الاقتصاد الاجتماعي؛ فالرؤية ليست مجرد نص قانوني أو التزام شكلي، بل هي رافعة نفسية واجتماعية واقتصادية تؤثر على استقرار الطفل، وكفاءة الأسرة، وموارد الدولة، ومع ذلك فإن التحديات العملية تجعل هذا الحق غالبًا محل نزاع ما يستدعي قراءة قانونية واقتصادية متعمقة. الرؤية.. حق الطفل قبل أن تكون امتيازا للأبوين تنص التشريعات العربية على أن حق الرؤية هو حق الطفل قبل أن يكون حقًا للوالدين؛ حمايةً لنموه النفسي والاجتماعي، ولكن حين يتحول هذا الحق إلى أداة ضغط أو وسيلة للخصومة بين الأب والأم، يتأثر الطفل أولًا، وتزداد التكلفة الاقتصادية للنزاع؛ فالتأخر في التنفيذ أو التعطيل المستمر يزيد أعباء المحاكم، ويقلل إنتاجية الوالدين، ويولد آثارًا نفسية طويلة المدى على الطفل، تتحول لاحقًا إلى تكاليف اجتماعية وعلاجية. الأثر الاقتصادي للرؤية المنتظمة الرؤية المنتظمة لها أبعاد اقتصادية ملموسة: 1 - خفض كلفة النزاعات القضائية: تقلل اللقاءات المنتظمة دعاوى التنفيذ المتكررة، وتخفف الضغط على المحاكم. 2 - تحسين الالتزام بالنفقة: الأبحاث الاجتماعية تشير إلى أن الأب الذي يرى طفله بانتظام يكون أكثر التزامًا بالنفقة. 3 - رفع إنتاجية الوالدين: الاستقرار النفسي يقلل التوتر ويزيد التركيز في العمل؛ ما ينعكس على دخل الأسرة. 4 - خفض الكلفة الاجتماعية على الدولة: الطفل المستقر نفسيًا وسلوكيًا يحتاج إلى تدخلات أقل في التعليم والصحة والرعاية النفسية. وبذلك، الرؤية ليست مجرد حق قانوني، بل استثمار اقتصادي واجتماعي طويل الأمد. إشكاليات الرؤية في الدول العربية مصر: النظام الحالي في مصر، على الرغم من وجود نصوص قانونية، يواجه مشكلات عملية عدة: 1 - مدة الرؤية قصيرة جدًا: غالبًا ساعتان إلى ثلاث ساعات أسبوعيًا، وهي فترة لا تكفي لبناء علاقة طبيعية. 2 - أماكن الرؤية غير مناسبة نفسيًا: غالبًا نوادٍ عامة أو مراكز مزدحمة تفتقد الخصوصية والراحة. 3 - سهولة تعطيل التنفيذ: بعض الأطراف يمتنع عن تنفيذ الحكم دون جزاء فعّال. 4 - غياب تنظيم العطل والمناسبات: لا توجد آلية واضحة للرؤية في الإجازات الرسمية أو الأعياد. 5 - غياب الرؤية الإلكترونية: خاصة للحالات البعيدة أو ظروف السفر. 6 - استخدام الرؤية كورقة ضغط: بعض الأطراف تستخدم الرؤية للانتقام أو الضغط المالي؛ وهو ما يحوّل الطفل إلى أداة صراع. هذه الإشكاليات تؤكد أن النصوص وحدها غير كافية، وأن التنفيذ والآليات العملية هي مفتاح حماية الحق. مقترحات حلول واقعية من أجل إصلاح نظام الرؤية في مصر، يمكن اتباع حلول عدة قانونية واقتصادية: 1 - تحويل الرؤية إلى اصطحاب يوم كامل بدلًا من ساعات محدودة؛ ما يضمن علاقة أعمق وصحية. 2 - إنشاء مراكز رؤية أسرية محترفة بإشراف أخصائيين نفسيين واجتماعيين؛ لتوفير بيئة آمنة ومحترمة. 3 - اعتماد الرؤية الإلكترونية كحل تكميلي، خاصة في السفر أو المسافات البعيدة. 4 - تشديد الجزاءات على التعطيل المتعمد: غرامات، إنذارات، تعديل مكان الرؤية أو إعادة النظر في ترتيب الحضانة عند الضرورة. 5 - تنظيم رؤية الأعياد والعطلات لضمان عدالة وجدانية للطفل والطرف غير الحاضن. 6 - تفعيل الوساطة الأسرية قبل التقاضي لتقليل النزاعات، وخفض تكلفة المحاكم، وتحقيق حلول توافقية مستدامة. مقارنة مع التجارب الخليجية دول الخليج مثل الإمارات والسعودية والبحرين نجحت في دمج الرؤية مع الاقتصاد الاجتماعي: الإمارات: نظام “الخطة الأبوية” المرن، مع مراكز رؤية مجهزة، يضمن توازنًا بين حقوق الطفل والأبوين. السعودية: الرؤية المرنة تقلل النزاع، وتتيح للطرفين وقتًا متناسبًا مع عملهما. البحرين: وجود قاضي تنفيذ متخصص، مع الالتزام بالمرونة في التطبيق، يقلل تكاليف النزاع ويزيد الالتزام. هذه التجارب تؤكد أن الرؤية المنتظمة والمرنة تحقق مصلحة الطفل، وتقلل الأعباء الاقتصادية عن الأسرة والدولة. التجارب الأوروبية في الرؤية.. نموذج مرن وفعال لقد أثبتت التجارب الأوروبية أن حق الطفل في رؤية والديه بعد الطلاق يمكن تنظيمه بطريقة تحقق العدالة القانونية والاستقرار النفسي والاجتماعي، وفي الوقت نفسه تخفض الأعباء الاقتصادية على الأسرة والدولة ومن أبرز هذه التجارب: السويد.. “الحضانة المشتركة” مع المرونة الزمنية في السويد، تمنح القوانين الطفل حق رؤية كلا الوالدين بشكل متوازن، حتى لو كانت الحضانة الفعلية للأم. ويتمتع الأبوين بمرونة في جدولة اللقاءات بحسب العمل والمدرسة، مع إمكانية تعديلها حسب مصلحة الطفل. ويؤدي ذلك إلى انخفاض النزاعات القضائية بنسبة كبيرة، واستقرار نفسي أفضل للأطفال، مع توفير تكاليف على الدولة في مجالات الدعم الاجتماعي والخدمات النفسية. ألمانيا.. نموذج “الحضانة المرنة والرؤية الموسعة” يُعطى الطفل الحق في لقاء الوالد غير الحاضن أسبوعيًا، مع إمكانية تمديد الرؤية في العطل والمدارس الصيفية. وتوفر السلطات الألمانية خدمات وساطة أسرية، وتضمن تنفيذ الأحكام بمراكز مراقبة مهنية. ويؤدي ذلك إلى تعزيز التزام الأب بالنفقة وتقليل استخدام الرؤية كأداة ضغط، وتحسين إنتاجية الوالدين. فرنسا.. “التربية المشتركة” والتدخل المبكر تُفرض قوانين التربية المشتركة بشكل إلزامي لكل الحالات التي يمكن أن تتوافق فيها مصلحة الطفل مع ذلك. ويؤدي ذلك إلى تدخل الوساطة الأسرية قبل وصول النزاع للمحاكم، مع متابعة اجتماعية ونفسية لضمان أن تكون الرؤية في بيئة آمنة. الحد من النزاعات الطويلة، وتقليل الضغط القضائي، وتوفير بيئة مستقرة للطفل، تقلل الكلفة الاجتماعية والطبية. المملكة المتحدة.. الرؤية الإلكترونية والرصد الدوري يُسمح باستخدام الوسائل الإلكترونية للقاء الطفل في الحالات البعيدة، مع رصد دوري من قبل الأخصائيين الاجتماعيين. وتوجد آليات قانونية صارمة ضد تعطيل الرؤية، بما في ذلك تعديل خطط الحضانة أو فرض عقوبات مالية. ويؤدي ذلك إلى الالتزام الفعلي بالرؤية، واستمرارية العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن، وتقليل النزاعات المكلفة. من خلال هذه النماذج، يتضح أن أوروبا تجمع بين: حماية الطفل قانونًا، وتوفير مرونة زمنية وتنظيمية للأبوين، وخفض تكاليف النزاع على الدولة والأسر، وتقديم آليات دعم نفسي واجتماعي لضمان بيئة صحية للطفل. وبذلك تصبح الرؤية حقًا للطفل، والتزامًا للأبوين، واستثمارًا اقتصاديًا طويل الأمد، وهو نموذج يمكن لمصر ودول الخليج الاستفادة منه. رؤية قانونية الرؤية ليست مجرد جدولة زمنية أو نص قانوني، بل هي حق الطفل في حياة مستقرة، واستثمار اقتصادي واجتماعي طويل الأمد، وأي إصلاح يجب أن يوازن بين: - حق الطفل في الاستقرار النفسي والاجتماعي. - استقرار الأسرة والحد من النزاع والصراع. - كفاءة الاقتصاد الاجتماعي عبر خفض التكاليف على الدولة والأسرة والمجتمع. ومن ثم، يجب أن تتحول الرؤية من مجرد التزام شكلي إلى آلية حماية مستقبل الطفل، وضمان إنتاجية الأبوين، واستثمار في المجتمع والدولة. ولا ريب في أن الطفل الذي يرى والديه بانتظام أكثر استقرارًا نفسيًا، والأسرة التي تُحترم حقوقها القانونية أكثر إنتاجية، والدولة التي تنظم هذا الملف بفعالية تخفف العبء عن القضاء والخدمات الاجتماعية، ومن هذا المنطلق يجب على المشرع العربي تطوير النصوص، وتفعيل آليات التنفيذ، وتبني حلول مبتكرة كالوساطة والمراكز المتخصصة والرؤية الإلكترونية؛ لضمان أن تبقى الرؤية حقًا للطفل، واستثمارًا حقيقيًا للمجتمع.

 

* مستشار مصري مقيم في عُمان