قالوا سلاما

شتاء الأمطار والخِيام... فمَن ينام؟

| سليم مصطفى بودبوس

“تعالوا وانظروا إلينا كيف نعيش في غزة؛ تعالوا لتَرَوْا حال الفقراء تحت المطر، وكيف نعيش في خيام ليست حتى خيامًا، بل أشبه بالزرائب. إنّ الحيوانات تعيش أفضل منا... ارحمونا، انظروا إلينا، نحن نناشدكم بالله، يا أهل العالم”... هكذا صدحت حناجر الأمهات في مخيم النصيرات.. هكذا عبّرت إحدى النازحات عن عمق المأساة التي تعيشها كل المخيّمات وبقايا الخيام التي نالت منها الأمطار في شتاء قارس جدا، ونال منها الإهمال العالمي ونكث العهود بعد أن وثق الفلسطينيون بوعود المحتل. فبعد أنّ دمّرت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أكثر من 90 % من المباني السكنية بشكل كلي أو جزئي، اضطر معظم السكان في هذه الأيام إمّا للبقاء في أجزاء من المنازل المتصدّعة رغم خطر انهيارها بسبب السيول والأمطار، أو اضطروا للنزوح إلى العيش في خيام.. وأيّ خيام؟ بقايا قطع من القماش، أو بقايا قطع بلاستيكية أو ما شابه ذلك.. أشباه خيام لا توفر حماية ولا أمانا. أيام ليست أقل قسوة من قصف المحتل الذي لم يتوقّف فعليا عن القصف كلما سنحت الفرصة، متعللا حينا بتجاوز الخطوط الصفراء، وأحيانا بمطاردة المسلّحين.. أيام وليال من أشدّ ما يكون على العاري والحافي، على العجوز والطفل الصغير، على كل فلسطيني في غزة تمسّك بأرضه، وقال سلاما، ورفض الخروج القسريّ والطوعيّ. شتاء قاس يمرّ على قطاع غزّة المحاصر، منخفض جويّ مصحوب بأمطار غزيرة أغرقت مئات الخيام في منطقة المواصي بمدينة خان يونس، وفي مخيمي البريج والنصيرات وسط قطاع غزة، وكذلك في مخيم جباليا.. مشهد مأساوي وثّقته الصور التي هي أصدق إنباء من الكلمات، صُوَر تداولها الإعلام، صور عن كارثة إنسانية جديدة ومأساة فلسطينية لا تنتهي. 

لقد أغرقت الأمطار الخيام، وعجزت جهود بعض المنظمات الإنسانية المحدودة في القطاع عن التخفيف من حجم الكارثة الإنسانية بفعل الحصار الإسرائيلي المستمرّ؛ إذْ يواصل المحتل منع تدفق المساعدات الإنسانية أو يضيّق على عملية دخولها إلى القطاع وإيصالها إلى المواطنين مستهينا بآلاف الأرواح التي تقضي ليلها في العراء تحت الأمطار على مرأى ومسمع من الخذلان العالمي.  شتاء بارد ومطر غزير.. ونيام في في عراء الخيام يناشدون العالم بصوت يائس بائس: “ارحمونا، انظروا إلينا، نحن نناشدكم بالله، يا أهل العالم”.. فهل من مستجيب؟.

*كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية