استنزاف المعلم.. إلى أين؟
| هدى حرم
يُعدّ المعلم الركن الأساس في بناء الأمم وصناعة مستقبلها، فبين جنبات الفصول الدراسية، لا يقتصر دوره على مجرد نقل المعلومات، بل يتجاوزه إلى غرس القيم، وصقل المواهب، وتشكيل العقول. ومع ذلك، يواجه قطاع كبير من المعلمين حول العالم ظروف عمل تبتعد كثيرًا عن التقدير المستحق، حيث تتصاعد ظاهرة استغلال المعلم لتلقي بظلالها على جودة التعليم وكفاءة العاملين فيه. يبدأ الاستغلال في أغلب الأحيان بتكديس المهمات الإدارية واللامنهجية التي تُلقى على عاتق المعلم، فتتحول الساعات التي ينبغي أن تُكرس للتخطيط للدروس، أو تصحيح الأوراق، أو تطوير الذات المهنية، إلى ساعات عمل مجانية في لجان مدرسية لا حصر لها، أو أنشطة إشرافية خارج نطاق تخصصه، أو أعمال مكتبية لا علاقة لها بالتعليم. حياة المعلم ليست وردية، فهو غالبًا ما يجد نفسه أمام فصول مكتظة، ما يجعل مهمته أكثر صعوبة، الأمر الذي يقلل جودة التفاعل الفردي الضروري للتعليم الفعال. وفي حين يظن الآخرون أن طريق المعلم معبد بالزهور وأنه يتمتع برغد العيش، نجد أن راتبه لا يتناسب في كثير من الأحيان مع حجم المسؤولية والجهد المبذولين، ولا يعكس أهمية المهنة ودورها المحوري في بناء الأجيال وخدمة الأمة. ناهيك عن العمل الإضافي غير المدفوع عندما يُطلب من المعلمين العمل لساعات طويلة بعد الدوام الرسمي وأثناء العطلات للتصحيح والتدقيق والتحضير للفعاليات واللقاءات التربوية، دون مقابل عادل. إن استغلال المعلم ليس قضية حقوقية تخص المعلم وحده، بل هي قضية مجتمعية تُهدد مستقبل الأجيال. عندما يُثقل كاهل المعلم بمهمات مرهقة ومطالب غير عادلة، تتأثر قدرته على الإبداع والعطاء، ويصبح الإرهاق والاحتراق الوظيفي حتميًا، حين يؤدي الضغط المتواصل وتدني التقدير إلى إحساس عميق بالإحباط والاستنزاف الوظيفي، ما يدفع البعض إلى ترك المهنة. كذلك فإن المعلم المجهد لا يستطيع تقديم أفضل ما لديه، فيتحول التعليم من مهمة شغف إلى مجرد واجب روتيني شاق. لهذه الأسباب وغيرها، يرى الشباب الأكفاء أن مهنة التعليم لا توفر حياة كريمة أو تقديرًا مستحقًا؛ فيحجمون عن دخولها، ما يُفقد القطاع أبرز المواهب، ويؤثر سلبا على جودة التعليم ومخرجاته. إن إنهاء استغلال المعلم بات حاجة ملحة تتطلب إرادة حقيقية من صانعي القرار والمجتمع بأكمله بأن يتبنوا رؤية تعتبر الاستثمار في المعلم استثمارًا في مستقبل الوطن. من أجل تحقيق هذه الرؤية يجب توفير رواتب تنافسية ومزايا تضمن للمعلم حياة كريمة تليق بدوره. كما يجب إعادة هيكلة المهمات الموكلة للمعلم، والتركيز على دوره الأساس في التدريس والتربية، وتوفير كوادر إدارية مُتخصصة للقيام بالمهمات غير التعليمية. من واجب المسؤولين في قطاع التعليم والتربية دعم المعلمين بفرص تدريب مستمرة وموارد تعليمية حديثة، تُمكّنهم من مواكبة التطورات دون تكلفة شخصية باهظة. كما يجب أن تعاد للمعلم مكانته الاجتماعية التي يستحقها كقائد وموجه ومُربي، وفرض احترامه في البيئة المدرسية والمجتمع، وفرض عقوبات تأديبية على كل من يمس كرامة المعلم ومنزلته. إن احترام المعلم ليس شعارا مبالغا فيه، بل لبنة لأي إصلاح تعليمي ناجح. فهل يمكن لأية دولة أن تنهض حقًا وهي تستنزف طاقة عُمدانها؟ لنتذكر أن كل ساعة عمل إضافية غير مدفوعة، وكل مهمة إدارية غير ضرورية تُفرض على المعلم، وكل تعامل مهين له، هو خصم من جودة التعليم الذي يتلقاه أبناؤنا.
*كاتبة بحرينية