الإقامة الذهبية.. بين سوء الفهم وحسن التدبير

| زهير توفيقي

في‭ ‬خضم‭ ‬النقاش‭ ‬الدائر‭ ‬بشأن‭ ‬قرار‭ ‬خفض‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬للاستثمار‭ ‬العقاري‭ ‬لمنح‭ ‬الإقامة‭ ‬الذهبية‭ ‬من‭ ‬200‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭ ‬إلى‭ ‬130‭ ‬ألف‭ ‬دينار،‭ ‬انقسمت‭ ‬الآراء‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬تنازلًا‭ ‬غير‭ ‬مبرر،‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬يعتبره‭ ‬خطوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ضرورية‭. ‬ومع‭ ‬احترام‭ ‬كل‭ ‬وجهات‭ ‬النظر،‭ ‬فإن‭ ‬القراءة‭ ‬المتأنية‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خفض‭ ‬في‭ ‬مبلغ‭ ‬مالي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬توجه‭ ‬استراتيجي‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬احتياجات‭ ‬السوق‭ ‬العقارية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭.‬

لقد‭ ‬مرّ‭ ‬القطاع‭ ‬العقاري‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بمرحلة‭ ‬تباطؤ‭ ‬نسبي‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬البيع‭ ‬ووتيرة‭ ‬المشروعات،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمر‭ ‬نفسه‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬تصبح‭ ‬سياسات‭ ‬التحفيز‭ ‬وسيلة‭ ‬لإعادة‭ ‬الحيوية‭ ‬للسوق‭ ‬وتنشيط‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬العقارات‭ ‬المطابقة‭ ‬للمعايير‭ ‬التي‭ ‬تستهدفها‭ ‬الإقامة‭ ‬الذهبية‭. ‬فالمطلوب‭ ‬ليس‭ ‬بيع‭ ‬عقار‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬جذب‭ ‬مستثمر‭ ‬يؤمن‭ ‬بالاستقرار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬ويوجه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬رؤوس‭ ‬أمواله‭ ‬نحو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي،‭ ‬ويستهلك‭ ‬خدماته‭ ‬ويشارك‭ ‬في‭ ‬دورته‭ ‬الإنتاجية‭.‬

وتشير‭ ‬بيانات‭ ‬جهاز‭ ‬المساحة‭ ‬والتسجيل‭ ‬العقاري‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬معاملات‭ ‬العقارات‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬2025‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬775‭.‬2‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬بحريني‭ ‬عبر‭ ‬5‭,‬099‭ ‬صفقة،‭ ‬بارتفاع‭ ‬ملحوظ‭ ‬مقارنة‭ ‬بالفترة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬2024‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬5‭,‬005‭ ‬معاملات‭. ‬كما‭ ‬بلغت‭ ‬قيمة‭ ‬مبيعات‭ ‬المنازل‭ ‬نحو‭ ‬215‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬بزيادة‭ ‬14‭.‬54‭ % ‬عن‭ ‬العام‭ ‬السابق،‭ ‬فيما‭ ‬سجلت‭ ‬مبيعات‭ ‬الشقق‭ ‬نحو‭ ‬107‭.‬8‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬بزيادة‭ ‬1‭.‬91‭%. ‬وهذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬تتحرك‭ ‬بالفعل،‭ ‬لكنها‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الزخم‭ ‬والدفع‭ ‬للأمام،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يوفره‭ ‬القرار‭ ‬محل‭ ‬النقاش‭.‬

وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬معاملات‭ ‬الأجانب‭ ‬سجّلت‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬بنسبة‭ ‬تفوق‭ ‬20‭ % ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬الماضي،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬زيادة‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬4‭ % ‬فقط‭ ‬لدى‭ ‬البحرينيين‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قاعدة‭ ‬متنامية‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬ترى‭ ‬البحرين‭ ‬وجهة‭ ‬مناسبة،‭ ‬وأن‭ ‬تخفيض‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬سيزيد‭ ‬من‭ ‬رغبتهم‭ ‬في‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬والاستثمار‭ ‬فيها‭. ‬فدول‭ ‬العالم‭ ‬تتنافس‭ ‬اليوم‭ ‬لاستقطاب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬البحرين‭ ‬برامجها‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السباق‭ ‬بما‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬مرونة‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬خططها‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬مراجعتها‭ ‬بشكل‭ ‬دوري،‭ ‬حيث‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬رفع‭ ‬السقف‭ ‬إذا‭ ‬شهدت‭ ‬السوق‭ ‬العقارية‭ ‬تعافيا‭ ‬ونموا‭ ‬ملحوظا‭.‬

من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬المتواضعة،‭ ‬فإنني‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬القلق‭ ‬الذي‭ ‬يعبّر‭ ‬عنه‭ ‬البعض‭ ‬بشأن‭ ‬مستوى‭ ‬العقارات‭ ‬المستهدفة‭ ‬بالإقامة‭ ‬الذهبية‭ ‬مفهوم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬العقار‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬المعيار‭ ‬الوحيد‭ ‬لضمان‭ ‬الجودة،‭ ‬فهناك‭ ‬ضوابط‭ ‬وشروط‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العقارات‭ ‬ومواصفاتها‭. ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬الهدف‭ ‬ليس‭ ‬التسهيل‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬السمعة،‭ ‬بل‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬الفرص‭ ‬الاقتصادية‭ ‬دون‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬المعايير‭.‬

فعندما‭ ‬تتحرك‭ ‬السوق‭ ‬العقارية،‭ ‬تتحرك‭ ‬معه‭ ‬قطاعات‭ ‬أخرى‭ ‬عديدة‭: ‬البناء،‭ ‬التمويل،‭ ‬الوساطة،‭ ‬الأثاث،‭ ‬الصيانة،‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬وغيرها‭ ‬،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬تأثير‭ ‬القرار‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬زيادة‭ ‬البيع،‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬ودعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭ ‬وتعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

إن‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬يعكس‭ ‬مرونة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تحتاجه‭ ‬البحرين‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬فالثبات‭ ‬على‭ ‬شروط‭ ‬سابقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مناسبة‭ ‬للواقع‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التباطؤ،‭ ‬بينما‭ ‬التحديث‭ ‬المدروس‭ ‬يعيد‭ ‬الدورة‭ ‬الاستثمارية‭ ‬إلى‭ ‬مسارها‭ ‬الصحيح‭.‬

الخلاصة،‭ ‬قد‭ ‬يختلف‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬القرار‭ ‬اليوم،‭ ‬لكن‭ ‬نتائج‭ ‬السياسات‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بحجم‭ ‬الجدل‭ ‬حولها،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬صُممت‭ ‬أو‭ ‬خططت‭ ‬لأجله‭. ‬وعند‭ ‬تحريك‭ ‬السوق‭ ‬العقارية‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬وجذب‭ ‬المستثمرين‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الجديدة‭ ‬الخارجية،‭ ‬فإن‭ ‬البحرين‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬ربحت‭ ‬رهانها‭.‬

وغدًا‭ ‬لناظره‭ ‬قريب‭.‬

‭*‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني