كلام في الممنوع (2)

| أسامة مهران

لم‭ ‬تكن‭ ‬مصادفة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬واحد‭ ‬بيانًا‭ ‬من‭ ‬“ستاندرد‭ ‬آند‭ ‬بورز”‭ ‬وهي‭ ‬تخفض‭ ‬التصنيف‭ ‬الائتماني‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬العلامة‭ ‬B‭ ‬مع‭ ‬نظرة‭ ‬مستقبلية‭ ‬واعدة،‭ ‬والندوتين‭ ‬المهمتين‭ ‬لمؤسس‭ ‬سوق‭ ‬البحرين‭ ‬للأوراق‭ ‬المالية‭ ‬الدكتور‭ ‬فوزي‭ ‬بهزاد‭ ‬في‭ ‬مجلسي‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬الكويتي‭ ‬وروتاري‭ ‬السيف،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مصادفة‭ ‬لكنها‭ ‬محاسن‭ ‬صدف‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬دراسة‭ ‬الدكتور‭ ‬بهزاد‭ ‬إلى‭ ‬النخب‭ ‬لكي‭ ‬تضع‭ ‬أمامهم‭ ‬ملامح‭ ‬استراتيجية‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬للبحرين‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭: ‬“نقلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ثانية”‭ ‬مع‭ ‬تفكير‭ ‬بصوتٍ‭ ‬عالٍ‭.‬

ما‭ ‬إن‭ ‬خرجت‭ ‬“ستاندرد‭ ‬آند‭ ‬بورز”‭ ‬للتصنيف‭ ‬الائتماني‭ ‬بتقريرها‭ ‬حتى‭ ‬قرأت‭ ‬لرئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬دار‭ ‬“البلاد”‭ ‬للصحافة‭ ‬والنشر‭ ‬السيد‭ ‬عبدالنبي‭ ‬الشعلة‭ ‬مقالاً‭ ‬مهمًّا‭ ‬يعلق‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬تقرير‭ ‬المؤسسة‭ ‬المالية‭ ‬الأميركية‭ ‬الكبرى‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬التراجع‭ ‬المالي‭ ‬المدجج‭ ‬بأرقام‭ ‬عجز‭ ‬في‭ ‬الميزانية‭ ‬العامة‭ ‬للدولة‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بالضرورة‭ ‬بالوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للمملكة،‭ ‬وأن‭ ‬توفر‭ ‬الإرادة‭ ‬النوعية‭ ‬والرؤى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستراتيجيات‭ ‬التنموية‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تؤكد‭ ‬تلك‭ ‬النظرة‭ ‬الدولية‭ ‬المستقبلية‭ ‬الإيجابية‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين‭.‬

ومثلما‭ ‬أشرت‭ ‬في‭ ‬مقالتين‭ ‬سابقتين‭ ‬إلى‭ ‬ندوتي‭ ‬الدكتور‭ ‬بهزاد،‭ ‬فإنه‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬كان‭ ‬بخبرته‭ ‬الواسعة‭ ‬مستشعرًا‭ ‬الموقف‭ ‬الاستباقي،‭ ‬وقارئًا‭ ‬للأحداث،‭ ‬بل‭ ‬ومتابعًا‭ ‬حثيثًا‭ ‬لها‭. ‬ورقة‭ ‬الدكتور‭ ‬بهزاد‭ ‬بعد‭ ‬قراءاتي‭ ‬المتأنية‭ ‬المتكررة‭ ‬لها‭ ‬وجدتها‭ ‬أكثر‭ ‬شجاعة‭ ‬من‭ ‬تقرير‭ ‬“ستاندرد‭ ‬آند‭ ‬بورز”،‭ ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬كانت‭ ‬قراءتي‭ ‬للسيد‭ ‬عبدالنبي‭ ‬الشعلة.

لم‭ ‬يكن‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬رجالنا‭ ‬المتفكرين‭ ‬في‭ ‬أحوال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬مجاملاً،‭ ‬أو‭ ‬محابيًا،‭ ‬أو‭ ‬منحازًا‭ ‬لوضع‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬حقيقة‭ ‬واضحة،‭ ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬وكان‭ ‬الدكتور‭ ‬بهزاد‭ ‬على‭ ‬دقته‭ ‬المتناهية‭ ‬وملاحظاته‭ ‬المتكررة‭ ‬على‭ ‬المقالين‭ ‬السابقين‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬مصرًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أصل‭ ‬معه‭ ‬لنهاية‭ ‬التقرير‭ ‬“المتعوب‭ ‬عليه”،‭ ‬كيف‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬الحلول،‭ ‬وكيف‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬رصد‭ ‬الواقع‭ ‬واستلهام‭ ‬العبر‭ ‬والدروس‭ ‬مما‭ ‬أسماه‭ ‬“نقلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أولى”‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬توصل‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬“نقلته‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الثانية”؟‭.‬

ورقة‭ ‬د‭. ‬بهزاد‭ ‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬التأسيس‭ ‬والهيكلة‭ ‬لاقتصادنا‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬ضرورة‭ ‬حتمية‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬تغريداته،‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬للوضع‭ ‬المالي‭ ‬بشكل‭ ‬وثيق‭ ‬بل‭ ‬ووضع‭ ‬خطة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تتم‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬إعادة‭ ‬التأسيس‭ ‬لما‭ ‬أسماه‭ ‬“المالية‭ ‬العامة”،‭ ‬وربط‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬بإعادة‭ ‬تأسيس‭ ‬مثماثلة‭ ‬للقطاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأساسية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الأجهزة‭ ‬المعنية‭ ‬والمؤسساتية‭ ‬العامة‭.‬

الورقة‭ ‬أو‭ ‬التغريدة‭ ‬طالبت‭ ‬بتحديد‭ ‬مشروعات‭ ‬ذات‭ ‬جدوى‭ ‬اقتصادية‭ ‬مرتفعة،‭ ‬وكثافة‭ ‬عمالية‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬الهائل‭ ‬الذي‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬منظومة‭ ‬قطاعات‭ ‬الأعمال‭ ‬حكومية‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬المملكة‭. ‬الورقة‭ ‬أيضًا‭ ‬لم‭ ‬تغفل‭ ‬الدور‭ ‬المجتمعي‭ ‬المطلوب‭ ‬والفعال،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تتجاهل‭ ‬أهمية‭ ‬وضع‭ ‬برنامج‭ ‬زمني‭ ‬محدد‭ ‬لتنفيذ‭ ‬أية‭ ‬استراتيجية‭ ‬اقتصادية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضمار‭.‬

ولأن‭ ‬المادة‭ ‬مثلما‭ ‬علمونا‭ ‬لا‭ ‬تفنى‭ ‬ولا‭ ‬تخلق‭ ‬من‭ ‬العدم،‭ ‬فإن‭ ‬لمداخلات‭ ‬النخب‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬“الكويتي”‭ ‬تحديدًا‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬إلقاء‭ ‬نظرة‭ ‬أخيرة‭ ‬عليها،‭ ‬خصوصًا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬بها‭ ‬رائد‭ ‬الأعمال‭ ‬والأكاديمي‭ ‬الدكتور‭ ‬حمد‭ ‬بهزاد،‭ ‬وذلك‭ ‬الذي‭ ‬تحدث‭ ‬عنه‭ ‬الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المخضرم‭ ‬السيد‭ ‬رضا‭ ‬فرج‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬رؤى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬أمين‭ ‬العباسي‭ ‬وإبراهيم‭ ‬المناعي‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬المشاركين‭ ‬كانت‭ ‬تؤكد‭ ‬ضرورة‭ ‬تحديد‭ ‬موقع‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬وأهمية‭ ‬المردود‭ ‬عليه‭ ‬وعلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬النوعي‭ ‬والناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬بوضوح‭ ‬أكثر‭ ‬ودقة‭ ‬أعمق‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬لزوم‭ ‬ما‭ ‬يلزم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الصحيح‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬الدكتور‭ ‬حمد‭ ‬بهزاد‭ ‬قد‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬الحوكمة‭ ‬بسرعة‭ ‬لم‭ ‬تمهله‭ ‬دقائق‭ ‬الندوة‭ ‬لكي‭ ‬يشرح‭ ‬لنا‭ ‬بالتفصيل‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬القطاعات‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬هذه‭ ‬الحوكمة‭.‬

تعاقب‭ ‬الأجيال‭ ‬هي‭ ‬سنة‭ ‬الحياة،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬طرحه‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1986‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬عملية‭ ‬مستقبلية‭ ‬لاقتصاد‭ ‬وطني‭ ‬جديد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التنويع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إحداث‭ ‬نقلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واسعة‭ ‬ومتعددة‭ ‬المحاور،‭ ‬قد‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬القول‭: ‬ما‭ ‬أشبه‭ ‬الليلة‭ ‬بالبارحة،‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحاجات‭ ‬المتعاظمة‭ ‬لوضع‭ ‬رؤية‭ ‬“النقلة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الثانية”‭ ‬على‭ ‬بساط‭ ‬البحث‭ ‬المتعمق،‭ ‬والطرح‭ ‬الزمني‭ ‬المؤكد،‭ ‬وجدول‭ ‬الأعمال‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يضيع‭ ‬بفعل‭ ‬بنود‭ ‬تلغي‭ ‬أخرى‭.. ‬فجميعها‭ ‬حزمة‭ ‬مشاريع‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬رفض‭ ‬التضاد،‭ ‬والبناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فات‭.‬

 

 

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية