عذرًا للكفاءات.. “ما يعرف كوعه من بوعه”

| فاطمة عادل سند

يقال‭ ‬في‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭: ‬“ما‭ ‬يعرف‭ ‬كوعه‭ ‬من‭ ‬بوعه”‭ ‬لوصف‭ ‬شخص‭ ‬محدود‭ ‬الذكاء‭ ‬والخبرة،‭ ‬والذي‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬منطقيًا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فرصه‭ ‬في‭ ‬التمكين‭ ‬والارتقاء‭ ‬الوظيفي‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬غيره‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يثبت‭ ‬جدارته‭ ‬أو‭ ‬يحقق‭ ‬تطورًا‭ ‬لافتاً‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المفارقة‭ ‬المؤسفة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬تحديدًا‭ ‬أصبح‭ - ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ - ‬خيارًا‭ ‬مفضّلاً‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين؛‭ ‬فيرفعونه‭ ‬في‭ ‬السلّم‭ ‬الوظيفي،‭ ‬ويقرّبونه‭ ‬إلى‭ ‬مكاتبهم‭ ‬متجاوزين‭ ‬معايير‭ ‬الجدارة‭ ‬والاختيار‭ ‬العادل،‭ ‬ومنتهكين‭ ‬بذلك‭ ‬الأمانة‭ ‬الوظيفية‭ ‬التي‭ ‬أوكلها‭ ‬لهم‭ ‬الوطن‭ ‬لتمكين‭ ‬الأكفأ‭ ‬من‭ ‬أبنائه‭. ‬لكن،‭ ‬لماذا‭ ‬يُفضّل‭ ‬البعض‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الموظّفين؟

ببساطة‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يعتبر‭ ‬تهديدًا‭ ‬له،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ربّما‭ ‬يشكّل‭ ‬سياجًا‭ ‬آمنًا‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬المسؤول‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬فيظل‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬“الخبرة‭ ‬الوحيدة”‭ ‬والعقل‭ ‬المدبّر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنه،‭ ‬ويستحوذ‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الفرص‭ ‬ويحتكر‭ ‬لوحده‭ ‬السلطة‭ ‬والقرار،‭ ‬ولا‭ ‬يُفوّض‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬“لا‭ ‬يعرف‭ ‬كوعه‭ ‬من‭ ‬بوعه”،‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يناقش‭ ‬ولا‭ ‬يدقّق،‭ ‬ولا‭ ‬يراجع‭ ‬قرارًا‭ ‬أو‭ ‬إجراءً،‭ ‬بل‭ ‬يهتف‭ ‬ويصفّق‭ ‬لأي‭ ‬توجيه،‭ ‬صائبًا‭ ‬كان‭ ‬أم‭ ‬خاطئًا‭... ‬باختصار‭ ‬من‭ ‬تنطبق‭ ‬عليه‭ ‬معايير‭ ‬البطانة‭ ‬“الطالحة”‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬المقرّبين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يزيدون‭ ‬المسؤول‭ ‬الأوّل‭ ‬إلا‭ ‬خبالا‭. ‬وهذه‭ ‬شكوى‭ ‬متكررة‭ ‬من‭ ‬الكفاءات‭ ‬الشابة‭ ‬والخبيرة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬لما‭ ‬تشعر‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬ضيم‭ ‬وتجاهل‭ ‬لها‭.. ‬هذه‭ ‬الكفاءات‭ ‬تزدهر‭ ‬حين‭ ‬تجد‭ ‬بيئة‭ ‬ومسؤولًا‭ ‬صادقًا‭ ‬يؤمن‭ ‬بالعدالة‭ ‬وتمكين‭ ‬المستحق،‭ ‬لكنها‭ ‬تخبو‭ ‬عندما‭ ‬تواجه‭ ‬مسؤولًا‭ ‬يحاربها‭ ‬لا‭ ‬لِعَيْب‭ ‬فيها،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة،‭ ‬وأكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬منه‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أقرانها‭. ‬وكم‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬اختفت‭ ‬لا‭ ‬لعجزٍ‭ ‬فيها،‭ ‬بل‭ ‬بفعلٍ‭ ‬لا‭ ‬يمتّ‭ ‬إلى‭ ‬المهنية‭ ‬والعدالة‭ ‬والوطنية‭ ‬بصلة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يثير‭ ‬غيابها‭ ‬دهشة‭ ‬أحد.

والمؤسف‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬“لا‭ ‬يعرف‭ ‬كوعه‭ ‬من‭ ‬بوعه”،‭ ‬إذا‭ ‬مُكّن‭ ‬ودُرِّب‭ ‬وأُتيح‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُتح‭ ‬لغيره،‭ ‬اكتسب‭ ‬خبرة‭ ‬شكلية‭ ‬تجعل‭ ‬منه‭ ‬واجهة،‭ ‬بينما‭ ‬لو‭ ‬مُنحت‭ ‬ذات‭ ‬الفرص‭ ‬لمن‭ ‬يستحق‭ ‬لكان‭ ‬الأثر‭ ‬أعمق‭ ‬والأداء‭ ‬أرفع‭.‬

ولا‭ ‬أجد‭ ‬خاتمة‭ ‬أبلغ‭ ‬ممّا‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬صحيح‭ ‬البخاري‭ ‬من‭ ‬حديث‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬ﷺ‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬الميزان‭ ‬الحقيقي‭ ‬للجدارة‭ ‬والأمانة؛‭ ‬فبيْنَما‭ ‬النبيُّ‭ ‬صَلَّى‭ ‬اللهُ‭ ‬عليه‭ ‬وسلَّمَ‭ ‬في‭ ‬مَجْلِسٍ‭ ‬يُحَدِّثُ‭ ‬القَوْمَ،‭ ‬جَاءَهُ‭ ‬أعْرَابِيٌّ‭ ‬فَقالَ‭: ‬“مَتَى‭ ‬السَّاعَةُ”؟‭ (...) ‬قالَ‭: ‬“فَإِذَا‭ ‬ضُيِّعَتِ‭ ‬الأمَانَةُ‭ ‬فَانْتَظِرِ‭ ‬السَّاعَةَ،‭ ‬قالَ‭: ‬كيفَ‭ ‬إضَاعَتُهَا؟‭ ‬قالَ‭: ‬إذَا‭ ‬وُسِّدَ‭ ‬الأمْرُ‭ ‬إلى‭ ‬غيرِ‭ ‬أهْلِهِ‭ ‬فَانْتَظِرِ‭ ‬السَّاعَةَ”‭.‬

 

كاتبة‭ ‬بحرينية‭ ‬وباحثة‭ ‬قانونية