“غرف سعادة ناقصة... وخلود لا ينطفئ”؟(4)

| سيد ضياء الموسوي

كل منا يتمنى لو انه يحصل على غرف فندق السعادة الست، لكن ذلك لا يكون بالاستلقاء على سرير الراحة، صحيح ان الفرح لا يؤجل لكن يجب ان حقيقة مهمة وهي ان السعادة عزيزة نفس تحتاج الى مهر كبير للظفر بها. مريض نفسيا؟ اذهب الى معالج نفسي. تعيش علاقة عاطفية سامة؟ اقطعها او اعمل ذكاء مسافة وافرض مناطق منزوعة السلاح وارسم خريطة حدود. تعيش غريبا في مجتمع؟ كون مجموعة أصدقاء إيجابيين ولو اثنين. منهك جسديا؟ اذهب للصالة الرياضية. تعاني من تطرف ديني؟ اترك ثقافة المتطرفين ووسع قراءاتك في الحياة. المهم لا تظل تجلد حالك. ففي غرفة الحب، لا يمكن أن تحصل على سعادة شريك صحي وحب متوازن، وأنت تطلق على رجلك النار، أو تنام على مخدة من ألم الماضي مليئة بأشواك الصدمات.. لابد من أن تتصالح مع الماضي لا بد أن تفكك قنابلك الداخلية، وتنزع الفتيل، لابد أن ترى الحب صفحة من قصة أنت بطلها، وليس كل الكتاب، فليس حبا من يحتاج إلى اسطوانة أكسجين دائمة، فهذا اختناق لا عناق، تابوت بلون الياقوت، سِكينة لا سَكينة، اغلب حياتنا بلا غرف وإذا وجدت فهي آيلة للسقوط.. زواج يقوم على الروتين لا اليقين ، وعلاقات زوجية لاجل حفظ الاطار في حين بداخلها ألف انتحار.. علاقتنا مع الله أغلبها تجارية وتحولت إلى سوق سوداء نوزع الإيمان عبر المنابر والأخلاق صورة من صور المقابر، المواسم يلعب بها تجار المال والضمير. أجسادنا مترهلة كبراميل المطاعم المتخمة بالأكل الفائض آخر الليل. الجسد النفسي منهك بالأمراض النفسية عدا عن العضوية.. وهذه أمراضنا، سلوك وحشي لحدي تلقى طعنة غدر في طفولة، أو نرجسي كان ضحية ريشة دلال او خنجر فقر، او سايكوباث حولاه الابوان الى ضبع يبحث عن جثة ..أو شاب يعاني من وسواس قهري ديني لفرط ما أفهم أن الموسيقى حرام، و عمل المرأة حرام و وأناقتها حرام. الحصول على كل الغرف يحتاج إلى جهد تقوم على علاقة مع الله متوازنة و ثقافة إنسانية حضارية منفتحة وجسد سليم ونفس مطمئنة ومال يعزز كرامة انسان ومجتمع لا يطلق الرصاص على أصابع المختلفين معه. نبحر في العظماء وأوجاعهم علنا نفهم درس السعادة. في فندق السعادة، حيث ستُّ الغرف هؤلاء العظماء طرقوا أبواب الغرف جميعًا، لكنهم لم يُكمِلوا السكنى في كلّها. سقطت منهم غرف، واشتعلت فيهم أخرى، فخرجوا لنا بأثرٍ خالد، يحمل عطر النجاح ومرارة الخيبة. فالغرف لا تفهم عائلتك أو عرقك ولا تؤمن بالواسطات والنفوذ وحجم القوة، إنها تفهم شيئا واحدا كم غرفة ستحصل لتكون النتيجة سقوطا أو ارتفاعا في سلم السعادة. ١-سقراط - فيلسوف أثيني، معلّم الحكمة، عاش فقيرًا ومات مصلوبًا بالكأس.  الغرفة التي سقطت: المال والجسد.  الغرف التي سكنها: الثقافة، الروح، المجتمع (بتعليمه)، والحب (حب الخير والمعرفة). كان يمشي حافي القدمين، يحدّث الناس في الساحات، يزرع الشك في العقول، ويهديهم إلى ولادة الحقيقة. لم يكن له بيت واسع ولا حساب مصرفي، لكن كان يملك مدينة من العقول. سقوطه في غرفة المال والجسد جعله يعاني على الأرض، يسمو في المعنى لكن غرفه ناقصة ماذا يعني أن تكون مثقفا عظيما أو فيلسوفا كبيرا بلا صحة ومفلسا؟ مهما كنت عظيمة فسعادتك في تآكل. وماذا وسقراط سكن كل غرف السعادة؟ لن يخسر خلوده، لأن الامتلاء لن يغلق فم الأسئلة، حتى لو كان سقراط سؤالًا لا يشبع. تخيّل لو أنّ سقراط لم يمت وحيدًا في زنزانة، بل كان يملك قلبًا هادئًا، زوجةً لا تثرثر على فكره بل تؤنس وحدته، وبيتًا دافئًا فيه خبز وأطفال، لم يكن ليتخلى عن سؤاله، لكنه كان سيطرح أسئلة أكثر نعومة، أسئلة لا تكسر جدار اليقين بل تربّت عليه. كان سيقول: “إن للعقل جناحًا، وإن للحب جناحًا آخر. صحيح أن الألم يصنع العبقرية لكن الفرح هو عطر الربيع الذي تزهر فيه ورود افكارها. ٢-أفلاطون - ابن الأرستقراطية، تلميذ سقراط، وصاحب مدينة الحُكماء. الغرفة التي سقطت: الحب الشخصي والمال. الغرف التي سكنها: الثقافة، الروح، المجتمع، الجسد (مؤقتًا)، والحب الفكري. حلم بمدينة فاضلة، مدينة لا تحكمها شهوة السلطة ولا غريزة المال، مدينة يحكمها الفلاسفة. لم يعرف الحب الكامل، فصاغ فيلسوفًا يعيش حبًا مثاليًا لا يَمسّ لحمًا ولا يَعرف دمعًا. ولو امتلك غرفة الحب؟ لأدرك أن الفلسفة لا تطبخ خبزًا، وأن القلب لا يسمع المنطق دائمًا. ولربما كتب “جمهورية القلب” بدلًا من جمهورية العقل. في اعتقادي أفلاطون رغم عظمته كان يجنح للمثالية والطوباوية . دولة يحكمها الفلاسفة لن تكون كاملة ،فالدولة تكتمل بفريق متنوع متكامل لعقول متنوعة. ثانيا: لايوجد يوم يتحول الإنسان إلى ملاك، ودولة عادلة مئة في المئة، فمادام هناك بشر هناك خير وشر؛ لذلك ركز كارل يونك على ضرورة فهم هذا “الإنسان الخطير”. كان أفلاطون مثاليا كمثالية عدالة مطلقة. وتخيّل لو أن أفلاطون لم يبنِ مدينته على الورق فقط، بل عاش في مدينةٍ من اللحم والروح، مدينةٍ فيها حضانة أطفال، ومقهى، ودار عبادة لا يُحرم فيه السؤال. لو عاش حبًّا آمنًا، وشبعًا مقدسًا، ولمس النفس والجسد في آنٍ واحد، لربما كتب: “إن الحقيقة ليست فكرة خالصة، بل حضنٌ يسع الإنسان. 3 - إيمانويل كانط - الفيلسوف الذي لم يغادر مدينته قط. الغرفة التي سقطت: الحب، الجسد، والمال. الغرف التي سكنها: الثقافة، المجتمع، الروح (عقليًا). كتب عن الجمال لكنه لم يعشق، كتب عن الأخلاق ولم يختبر أبوةً أو دفء عناق. وهنا يأتي أثر التصحر العاطفي حتى على الفيلسوف، فبؤس الطفولة يتحول إلى بؤس فكرة ونفس وخيار في الكبر. كانت حياته جدولًا دقيقًا: المشي في نفس الساعة، الكتابة بمقدار محدد، والعيش بلا مخاطرة. ولو زار غرفة الحب؟ لربما كتب نقد “العقل العاطفي الخالص”. وربما كان سيعرف أن الأخلاق لا تسكن في العقل وحده، بل في دمعة من يحب. كانط لو امتلك غرفة الحب، ولو دخل مرةً إلى غرفة الدفء الإنساني، لربما غيّر جداول حياته، وربما عرف أنّ الأخلاق ليست قانونًا فقط بل دمعةً لا تحتاج تفسيرًا. كان سيكتب لا “العقل الخالص” فقط، بل “الرحمة الخالصة” كانط لم يدخل غرفة الحب ..لم يرتبط بامرأة، لم يكون اسرة، ولم يعش كوكتيل حياة، دخل غرفة الثقافة واغلق عليه الباب وكأن الحياة فقط ثقافة ومعرفة مهما كان استمتاعه فلا ارى سعادته كاملة الحياة مشاعر، شريك، تأمل في السماء، ضحك مع احبة، سفر متنوع،اكل طيب، تهذيب للروح والجسد ومناعة نفسية ،وحب للذات قبل الاخر بلا نرجسية ومع ثقافة تكتمل اسطورة الابداع واسطورة السعادة. 4 - بوشكين - شاعر روسيا الأكبر، عاشق سامٍ، مات قتيلًا في مبارزة غيرة.  الغرفة التي سقطت: غرفة المجتمع (لم يحتمله)، الروح (مترددة)، المال (بؤس مادي).  الغرف التي اشتعلت: الحب، الجسد، الثقافة. كان جسدًا مشتعلًا بالكلمات، عاش قلبًا مسلولًا من قصيدة. كانت حياته صراعًا بين الحب والفضيحة، بين الشعر والسيف، بين الغرام والرقابة. ولو امتلك غرفة المجتمع والروح؟ لربما صار شاعرًا نبيًا، بدلًا من عاشقٍ مأساوي. لكن التاريخ لا يحب الشعراء الذين يعيشون طويلًا بسكينة. الحب مهم لكن وجود المال يقي الحب من ضباع الفقر .الفقر يشل الحب.يبقى الحب صامدا أمام ضرباته ولسنين وان بقي متحملاً الا انه لن يسلم من امراض الفقر التي تتسلل للحب فتفقأ عينيه. ليس صحيحا الحب يرضى بنوم على حجارة قد يتحمل لكنه يأمل بحريرية النوم وبحياة ولو وسطية كي ينمو. لذلك نرى غرام بوشكين قوياً، لكنه مثقل بالفقر وغيرة المصطادين الذين يقيمون المكائد لخطف غزالة حبه. لا تروجوا مثالية ان الحب ينام على دراع الفقر قد ينام لكنه بريد نوما على فراش وثير. اتركوا مثالية القلب فكل شيى ينقلب ساعة صراع البؤس والوجع وحروب الفقر القاتلة. بوشكين لو أن المجتمع لم يجرحه، ولو كان الحب إليه أكثر حنانًا وأقل فتنة، لو أن المال لم يسرق منه سلامه، لربما عاش شاعرًا طويلًا لا مقتولًا في مبارزة، كان سيكتب قصائد ليست للثورة فحسب، بل قصائد تتكئ فيها الروح إلى الروح، وتنبت فيها القصيدة على وسادة لا على سيف. الجماهير وحش بألف رأس لذلك ابتلعت جزءا من قلب بوشكين ولفظته على مذبح مقدس . 5 - كارل ماركس - فيلسوف الفقراء، منفيٌّ أبدي، عاش ومات بائسًا. الغرف التي سقطت: المال، الحب (كان حاضرًا لكنه متعب)، الجسد (مريض)، الروح ترى الارض بلا سماء. الغرف التي سكنها: الثقافة، المجتمع. كان جائعًا لكنه يكتب للثورات بيد ان نظرياته في معضمها ناقصة ولا تتناسب مع واقعية الانسان. كان فقيرًا لكنه يفسّر العالم. عاش من نفقات صديق، ومات قبل أن يرى عالمًا يؤمن بعدالة الفقراء. ولو امتلك غرفة المال والروح؟ لربما كتب رأس المال بقلبٍ أكثر رحمة. بعض كتاباته مضيئة وبعضها غير واقعية ساعدت على صناعة دولة شيوعية اقل ما يقال عنها ديكتاتورية ,فلا يوجد دولة شيوعية نجحت لسعادة الانسان والصين دولة شيوعية خطابا لكن قلبها رأسمالي بحت . السعادة ان يكون الانسان في وفرة نفسية صحية سليمة ووفرة مالية وفائض وفرة في علاقة حب مع الله. كارل ماركس لو جاءه المال دون أن يخون المال مبادئه، ولو ارتقّت روحه، ولم يشرب الفقر حبره، لربما تلطّف فكره، وصار يقود العقول لا الجموع فقط، ولربما كتب: “إن التغيير تبدأ حين يضع الإنسان قلبه على الطاولة لا حين يرفع قبضته فقط.” ماركس عبقري لكن جزءا من مصباحه انكسر في منتصف الطريق، وهو يسير إلى أكواخ الفقراء. قيادة الجموع ليست شطارة ولا تدل على عبقرية “الشعبوي عنترة الضرورة “لأن عقلية القطيع عادة ما تقود الجماهير الى المحارق والرقص على نار العقول المغيبة بحشيش الخطابات الحالمة. 6 - هيغل - فيلسوف الفكر المطلق،عاش ضمن النظام وعلّم الكبار والزعماء . الغرف التي سقطت: الحب (بارد)، الروح (مجرّدة)، المال (محدود). الغرف التي سكنها: الثقافة، المجتمع، الجسد (معتدل). كان يرى التاريخ يمشي بفكرة، والإنسان ظلًّا لحقيقةٍ كبرى. لكنه لم يرَ أنّ قلب الأم قد يُغيّر مسار التاريخ أكثر من أي فكرة. ولو امتلك غرفة الروح والحب؟ لربما كتب: “الروح المطلقة ليست فكرة، بل قلب إنسان”. هيجل لو لمس قلبه ما خطّته يداه، لو خرج من معبد الفكرة إلى ساحة الحياة، لمَا قال إن التاريخ فكرة تمشي، بل قال: “التاريخ إنسان يمشي بين غرف السعادة يبحث عن مرآةٍ يرى فيها نفسه. 7 - جبران خليل جبران - شاعر الروح، رسام الحزن، عاش بلا وطن ثابت. الغرف التي سقطت: المجتمع (منفي)، المال (فقير)، الحب (معلّق لم يكتمل). الغرف التي سكنها: الثقافة، الروح، الجسد، الحب الروحي. أحب الأديبة مي زيادة ولم يلمس يدها، عاش شريدًا بين لبنان وبوسطن ونيويورك، كتب النبي وكأنه يكتب من نافذةٍ ليست في الأرض. ولو سكن غرفة المجتمع والحب الملموس؟ لربما صار أكثر إنسانية وأقل نبوّة. ولربما لم يكتب “المواكب” بل كتب “الأسرّة المزدحمة بالدموع”. جمران كان يدعو الى رفض نصف حب او نصف لقاء لكنه عاش حب مي زيادة بلا حتى عُشر ودون لقاء. لا أومن بحب بلا شروط الذي طرحه عالم النفس ، اريك فروم في كتاب” فن الحب”. الحب لابد ان تكون فيه شروط ،والا اصبح كسفينة يلاطمها موج الفوضى وسقوط الحدود وعدم الالتزام لذا اري حب جبران لمي زيادة اشبه بمثقف احب كتابا لم يقرأه ولم يتصفح صفحاته. وجبران لو لم يكن منفيا أبديًا، ولو عرف أن الحب ليس حلمًا بعيدًا، بل دماً في الوريد، لو امتلك غرفة المال ليطمئن من جوع العالم، وغرفة المجتمع ليجد وطنًا يقيم فيه، لكانت “النبي” كتابًا أقل رثاءً وأكثر حياة، كتابًا لا يُصفَّق له فقط، بل يُعانَق 8-نزار قباني - شاعر الحب، الدبلوماسي الجريئ ، عاش الأغنية والدمعة. الغرفة التي سقطت: الروح أحيانًا، المال (مقبول)، المجتمع (رفضه المحافظون). الغرف التي اشتعلت: الثقافة، الحب، الجسد، الفن. كتب الحب حين كان الحب جريمة، وكتب المرأة حين كانت المرأة ظلًّا. عاش الحب بكل غرفه إلا ذلك الحب الذي يُسكن الروح بسلام. ولو امتلأت غرفته الروحية؟ لصار أكثر هدوءًا، أقل ألمًا، وربما أقل شعرًا. غرفة الثقافة عند نزار تضخمت بشكل جنوني وغرفة الحب انهارت بموت بلقيس ,وموت الابن و سقوط غرفة الجسد بسبب المرض وغربة المجتمع والجغرافيا.. حتى في الحب نزار دخل الغرفة وكان يترنح بين حبه لبلقيس و اخراج فيلم فاضح على شكل قصيدة عن المرأة . نزار لو سكنت روحه من غضبها، ولو هدأ قلبه من نزفه، لو امتلك حبًّا آمنًا لا ينتهي بالفراق، لربما قلَّ شعره، لكنه كان سيقول: “إن السكينة أجمل من الشعر أحيانًا.” نزار عاش سعادة ناقصة رغم حريرية جزء من حياته . مجتمعيا كان مشوشا ،خصوصا عندما كتب قصيدة مدح في تطرف فكرة “القومية العربية” والمد القومي، أو مدحه بدلا من نقده للنكسات للزعيم جمال عبدالناصر في قصيدة “فقدناك يا آخر الأنبياء”. عبدالناصر كان طوباويا لدرجة قيادة العالم العربي لمحارق سياسية قادت للنكسة. عبدالناصر زعيم نظيف الكف كفيف الطرف . الزعيم الواعي هو الواقعي وليس الذي يزرق في عروق الناس الافكار المؤدلجة. 9 - ابن رشد - الفقيه الفيلسوف، قاضي قرطبة، حفظ العقل حين أُطفئ نور الحضارة. الغرفة التي سقطت: المجتمع (أحرقت كتبه)، الحب (حياته الشخصية غامضة)، الجسد. الغرف التي سكنها: الثقافة، المال (نسبيًا)، الروح (عقلية)، والفكر المجتمعي الفلسفي. كان جسرا بين العقل والدين، بين أرسطو والشريعة، بين أوروبا والعالم الإسلامي. ولو امتلك غرفة الحب والجسد؟ لربما كتب “فلسفة القلب”، وأقنعنا أنّ الروح تكتمل حين يعانق العقل نبضًا.

ابن رشد لو مُنحت كتبه حضن المجتمع بدل محارقهم، ولو عرف قلبًا يُفسّر له سرّ العاطفة كما فسّر هو سرّ الكون، لربما جمع العقل والقلب في كتابٍ واحد، وسمّاه: “فلسفة الحُضور: حين يصبح الإنسان دليلًا إلى الله” 10 - عنترة بن شداد - فارس عبسي، شاعر حرب وعشق، العاشق الذي لم يُقبَل لون جلده. الغرفة التي سقطت: المجتمع (مرفوض)، المال (معدوم)، الروح (ممزقة). الغرف التي اشتعلت: الحب، الجسد، الثقافة القبلية، الشجاعة. أحب عبلة حبًا مُستحيلًا، فقاتل العالم ليثبت أنه “عبدٌ لا يُهزم”. ولو امتلك الاعتراف المجتمعي والروح؟ لربما هدأ قلبه، ولما احتاج أن يقاتل بالرمح والقصيدة ليُثبت أنه إنسان. عنترة لو اعترفت به القبيلة، ولو صارت عبلة ملكًا لا حُلماً، لربما وضع سيفه، ولربما صار شاعر سلام لا شاعر حرب، كان سيقول: “إن الاعتراف بالإنسان أشرف من تمجيد البطولة.

11 - محمود درويش - شاعر فلسطين، شاعر الأرض والغياب.  الغرفة التي سقطت: المجتمع المستقر (منفي دائم)، الحب (عجز عن الاستقرار)، المال (محدود)، الجسد (مرض القلب).  الغرف التي سكنها: الثقافة، الروح، الحب الحزين، الكون الشعري. كتب الوطن كحبيبة، وكتب الحبيبة كوطن، وظلّ يبحث عن بيتٍ لا يُنادى عليه في المطارات. ولو عرف الاستقرار؟ لربما قلَّ شعره وكبر قلبه، لكنه لم يُخلق ليَهدأ، بل ليقول: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة.” درويش كان يعيش منفى في المنفى في غرفة باريسية يلاحقه حبه الاول المطعون غدر محتل، وخيبة امل عودة ارض ، وفراق ام اشعل الفراق شعرها شيبا وقلبها ندوبا وايامها تجاعيد. محمود درويش لو امتلك وطنًا مستقرًا، وحبًّا لا ينتهي بالمطار، وجسدًا لا يُطارده المرض، لربما عاش حياة أقل جمالًا، نعم، لكن قلبه كان سيعرف الطمأنينة التي لا يعرفها الشعر. وربما كتب: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة أن نحياها فعلًا. العظماء الاكثر سعادة هم الذين امتلكوا غرف السعادة كلها او اغلبها، الذين ان سقطوا في بعضها اشتعلوا في الأخرى. السعادة الكاملة تصنع خلودًا، وعذا كان هناك وجع فهو الذي يربط بين القلب والفكرة، بين الحلم والخذلان، بين الإنسان وما ينقصه. ما الذي كان سيحدث لو امتلكوا جميع الغرف؟ لم يكونوا سيصبحون أكثر عظمة، بل أكثر إنسانية. لأن الإنسان لا يُصنع بالشقاء وحده، ولا بالفكرة وحدها، ولا بالحب وحده، بل بالتوازن الذهبي بين صوت الروح، ودفء الحب، وعافية الجسد، وكرامة المال، وبهاء المعرفة، وملاذ المجتمع. ليس المطلوب أن نحوز الغرف كلها لكن أن نُضيء الغرفة التي بين أيدينا، وألا نقتل الغرف الأخرى في الطريق إليها. إن السعادة ليست امتلاك الفندق، بل أن تعرف الطريق إلى غرفه، وأن تمشي إليه دون أن تخسر قلبك. تخيَّل لو أنّ فندق السعادة لم يكن فندقًا عابرًا على طريق العمر، بل كان فندقا ذهبيا ترتّبت فيه الغرف لا كحجراتٍ منفصلة، بل كأنسجة قلب واحد: غرفة الروح تنبض في غرفة الحب، وغرفة الثقافة تضيء غرفة المال، وغرفة المجتمع تعانق غرفة الجسد، والغرف كلّها تنتهي عند نافذة تُطلّ على الله.