تمزيق دفتر الأوجاع وطي آخر صفحة من الحروب

| أسامة الماجد

الشيء اللافت بين أية دولتين تعيشان تحت وطأة الحروب هو أن الشعوب - رغم ما يحيط بها من نيران ودمار - لا تصل في أعماقها إلى الأحقاد المتجذرة ولا إلى الضغائن التي تُطفئ إنسانية الإنسان. فالفطرة السليمة تقول إن الإنسان، أيًّا كان وأينما وُجد، يريد أن يرى أرضه خضراء وأطفاله يلعبون ويمرحون على الأعشاب. وكل ما في الأمر أن الإنسان، في مختلف بقاع العالم، بات يؤمن إيمانًا عميقًا بأن أمامه دربًا جديدًا لابد أن يسلكه، دربًا ولّدته النكبات وحمل في طياته دروسًا وعِبَرًا لمن أراد أن يتعظ. والرسالة التي يرددها إنسان هذا العصر الذي أصبح يعرف أكثر من أي وقت مضى حجم هذا العالم الصغير وما يختزنه من مشكلات وخلافات، هي رسالة واحدة: لا للحروب. فالعالم ماضٍ إلى الهاوية إذا ظل بلا تعاون أبنائه، وأبناء العالم هم الشعوب، والشعوب تمثل الجوهر، والجوهر باقٍ مهما تبدلت الوجوه والحدود. نصر وهزيمة، حب وكره، قرب وبُعد، كلها رموز لحالات عابرة، بينما يبقى الإنسان يتطلع إلى نهاية عصر الغربة، ويريد أن يذوب ثلج الحروب والضياع والألم والموت. يريد أن يرى وجه المنقذ، لا وجه الخراب. يريد أن يمزق دفتر الأوجاع ويكتب بدله دفترًا جديدًا يليق بكرامة الحياة. فالحياة لا تُمنح مرتين، وما تهدمه الحروب لا يعاد بسهولة، لذلك يتشبث الإنسان بأملٍ صادق يخرجه من دائرة الفقد، ويقوده إلى مصالحة كبرى مع ذاته ومع الآخر، مصالحة تُعيد للروح إشراقها وللأيام معناها وللمستقبل ملامحه التي يستحقها. كي يمضي نحو غدٍ أكثر رحمة وعدلاً وسكينة، لجميع أبناءِ الأرض.