يظل صغيرا جدا...!

| كمال الذيب

أحلامه تتقلص وتتلاشى يومًا بعد يوم، يشعر بالعجز المزمن عن مواجهة التحولات الداهمة.. وهو جزء من شريحة بلا هوية، معلقة بين الأرض والسماء، يدفعه موقعه الاجتماعي نحو صفوف الطبقات الفقيرة، تدفعه تطلعاته إلى الوقوف عند أبواب الطبقة الأعلى قليلا، ويضطره ذلك إلى إراقة ماء الوجه بما لا يحسن بالحر أن يفعله. وبسبب صغر حجم موقعه وتطلعاته، فإنه يحلم حتى تتقطع أنفاسه وهو يركض وراء الأشياء الصغيرة فلا يلحق بها بالرغم من اللهاث اليومي وراء الزمن الهارب في الوقت الصعب. حصل أخيرًا على وظيفة بعد لهاث وتمسح ووقوف. ومن يومها - كما يروي - تعلم أن يكون الخاسر الوحيد والدائم، والملوم المستمر، فالزبون على حق، وصاحب العمل على حق، والمدير على حق، والناس جميعا على حق، هو الوحيد خارج دائرة الحقوق. عليه أن يبتسم للزبائن، وأن يحسن معاملتهم حتى إن أساءوا معاملته، وأن يكون لطيفا ظريفا حتى إن كان تعيسا مريضا حزينا وغاضبا، فلا أحد يعبأ به ولا بمشاعره الصغيرة. حتى المبادئ الصغيرة (المثالية) التي كان يفخر بأنه يتبناها، لم يعد بإمكانه التشبث بها. يبيع الابتسامات والإيماءات الطيبة المنافقة والمجاملات السخيفة. عليه أن يكبت الامتعاض والغضب، حتى لكأنه تحول إلى كائن بلاستيكي بلا إحساس. حكاية هذا الكائن الصغير مجرد شريحة صغيرة من صور مماثلة عديدة مريرة، ولقطة واحدة من حياة بسيطة، تختزل معاناة هذه الشريحة التي تعاني من توزع الأشواق بين واقع مرير يشدها إلى الأرض وتطلع مكبوت وطموحات تسقطها الإحباطات المتوالية.

لذلك، تجد أن أغلب أفراد هذه الشريحة ينشطون في مجالات تعويضية، بحثًا عن العزاء.. وبسبب ازدواجية الحالة والموقع لا غرابة أن يعاني بعض أفرادها من انفصام قد يتجلى في مواقف متناقضة متذبذبة بين ثبات في الدفاع من أبناء الطبقة المرهقة، وبين التماهي أحيانا مع منطق وسلوك صاحب العمل، فيرى صورته في مرآة الطبقة الأعلى. إنه باختصار ينتمي إلى نسيج غير متجانس في الفكر، وفي الموقف. خليط من العقائد والمشاعر والمصالح والمواقف تتشابك في نسيج غير متجانس ولكنه محكوم فقط بعامل لا يتغير وهو صغر الحجم في جميع الأحوال.

كاتب وإعلامي بحريني