ثقافة الاعتذار

| زهير توفيقي

في خضم الحياة اليومية، ومع تزايد الضغوط وتعقد العلاقات، تتراجع بعض القيم البسيطة التي لا تحتاج إلى جهد ولا إمكانات ولا تشريعات، بقدر ما تحتاج إلى وعي ومسؤولية. ومن بين هذه القيم التي نخسرها تدريجيا، تأتي ثقافة الاعتذار تلك الكلمة الصغيرة التي يمكنها أن تُطفئ نارا مشتعلة، أو تُرمم علاقة متصدعة، أو تُعيد الاحترام إلى مساره الطبيعي.

إن الاعتذار، رغم بساطته، إلا أنه صار سلوكا نادرا. فكثيرون اليوم يعتقدون أن الاعتذار ضعف، أو تنازل، أو هزيمة، بينما في الحقيقة أنه أرفع درجات القوة الأخلاقية والرقي. فالشجاع هو من يعترف بخطئه، أما الضعيف فيختبئ خلف تبريراتٍ واهية، أو يلجأ إلى قلب الحقائق بدل مواجهة نفسه.

قال تعالى (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِكُمْ وَرَحْمَةٌ).

وفي تفاصيل حياتنا اليومية أمثلة كثيرة تكشف هذا الخلل. ففي الشارع على سبيل المثال وليس الحصر ، يكفي سائقٌ أن يرتكب خطأ بسيطا ليشتعل خلاف لا مبرر له، لأن كلمة “آسف” غابت، وحلت محلها نظرة تحدٍ أو محاولة إنكار.

وفي العمل، يتعامل بعض الموظفين وأحيانا المسؤولين مع الاعتذار كما لو أنه انتقاص من مكانتهم، متناسين أن المؤسسات الناجحة في العالم تقوم على الشفافية، والمسؤولية، وتصحيح الخطأ قبل تكراره. كما أن بعض الخلافات العائلية التي تمتد سنوات، كان يمكن لها أن تنتهي في دقائق لو بادر أحد الطرفين باعتذار صادق.

لا شك أن الاعتذار ليس مجرد عبارة لطيفة، بل سلوك اجتماعي ناضج يعبر عن احترام الذات قبل احترام الآخر. وهو في كثير من الأحيان أقرب طريق لتجنب النزاعات القانونية، إذ يحسم الخلاف من جذوره قبل أن يصل إلى الشرطة أو المحاكم. فكم من القضايا كان يمكن ألا تُسجَل أصلا لو تحلى أحد الطرفين بشجاعة الاعتذار!

ورغم ذلك، ما زال الاعتذار غائبا عن ممارسات كثير من الأفراد، لأنه يتطلب كسر حاجزٍ نفسي اسمه “الأنا”. فالشخص الذي يعتذر يعترف بأنه ليس معصوما، وهذا الاعتراف من وجهة نظر البعض يحمل تهديدا لصورتهم أمام الآخرين. إلا أن الحقيقة العكسية تماما، فالناس يحترمون من يتحمل المسؤولية، أكثر ممن يتقن فن التبرير.

نحن بحاجة اليوم إلى أن نعيد لهذه القيمة حضورها، ليس عبر خطابات أو شعارات، بل من خلال الممارسة اليومية. أن نُربي أبناءنا على أن الاعتذار قوة، وأنه لا يقل شأنا عن الشجاعة والإحسان والصدق. وأن نُعطي القدوة عبر تصرفاتنا قبل كلماتنا.

فالاعتذار لا يغير الماضي، لكنه يمكن أن يصنع مستقبلا أفضل. وإذا كان القانون يهدف إلى تنظيم العلاقات وحفظ الحقوق، فإن القيم الإنسانية وعلى رأسها الاعتذار هي التي تمنح هذه العلاقات روحها.

الخلاصة، دعونا نحي هذه القيمة الراقية من جديد ونجعلها جزأ لا يتجزأ من قيمنا وأخلاقنا، فهي مفتاح بسيط، لكنه يفتح أبوابا واسعة نحو مجتمع أكثر نضجا، واحتراما، وإنسانية.

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني