البحرين كمركز تعليمي: رؤية "صانع القرار" وتحديات "التطبيق"

| نعيمة الحسيني

تبذل مملكة البحرين جهودًا جبارة لتحقيق رؤيتها الاقتصادية، حيث تضع التعليم العالي في صلب مساعيها لجعل المملكة مركزاً إقليمياً جاذباً للجامعات والمواهب. وقد أكد معالي وزير التربية والتعليم هذه الاستراتيجية في المنتدى الذي أقيم مؤخرَا "مبادرات التعليم العالي في تشجيع الدراسة الجامعية في مملكة البحرين"، حيث انصب الحديث على تشجيع الاستثمار الأجنبي والعربي في القطاع التعليمي، وفتح فروع للجامعات الدولية، بهدف إحداث انتعاش اقتصادي وثقافي منشود.

بينما تُبذل هذه الجهود لتعزيز مكانة التعليم العالي، تشير وقائع حديثة إلى تحديات عميقة تقوّض الثقة في المخرجات التعليمية المحلية. فقد تزامن المنتدى الوزاري مع طرح النائبة جليلة السيد في مجلس النواب لمشكلة مصير خريجي ماجستير طب العائلة من جامعة الخليج العربي المرموقة.

هذه المشكلة تنم عن غياب التنسيق بين وزارات المملكة، حيث أطلقت وزارة الصحة مشروعاً لتدريس ماجستير طب العائلة (لمدة سنتين) في جامعة الخليج العربي، بتمويل تجاوز الملايين من قبل صندوق العمل “تمكين"، بهدف تخريج متخصصين في هذا المجال الحيوي.

بعد تخرج دفعتين من الأطباء، تم توظيفهم كـ أطباء "رعاية عاجلة" بدلاً من أطباء عائلة، بحجة أن الشهادة "لا ترتقي لمستوى البورد". هذا الامر يؤدي الى زعزعة الثقة في الشهادات التي تصدر من جامعاتنا المحلية.

إن هذا الإعلان، الذي صدر عن الوزارة التي ابتعثت هؤلاء الأطباء وخصصت لهم الميزانيات، يثير تساؤلات جوهرية: كيف يمكن لوزارة حكومية أن تشكك علانية في جودة برنامج أكاديمي تابع لمؤسسة وطنية عريقة ومعترف بها؟ جامعة الخليج العربي هي صرح تعليمي يُشهد له بالتفوق الإقليمي؛ والتشكيك في مخرجاته يبعث رسالة سلبية قوية

هذه الممارسات لا تقتصر آثارها على المتضررين فحسب، بل إنها ترسخ فكرة أن مخرجات جامعات البحرين لا تتواءم مع متطلبات بعض الوزارات، مما يدفع المواطنين إلى التراجع عن الدراسة في بلدهم، ويضعف من جاذبية المملكة كوجهة تعليمية.

سعادة وزير التربية والتعليم، تبنيكم لهذا المشروع الوطني الطموح الذي تقودونه والمؤيد من قبلنا، لن يكتمل نجاحه الا من خلال معالجة هذه الفجوة، فالهدف الاستراتيجي الذي تتطلعون اليه بجعل مملكة البحرين مركزًا للتعليم يتطلب:

-التنسيق الكامل والشفاف بين وزارة التربية والتعليم وكافة الوزارات المستفيدة لضمان الاعتراف المسبق ببرامج الشهادات وتحديد مسارها الوظيفي بدقة.

-وقف الممارسات التي تسهم في تأسيس فكرة أن الشهادات المحلية لا تتوافق مع التطلعات المهنية للمسؤولين في القطاعات المختلفة.

حكومة مملكة البحرين تبذل قصارى جهدها لتعزيز الاقتصاد وتكريس مكانة المملكة لتكون صرحًا ثقافيا. ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع، وهذا يتطلب التنسيق الشامل بين كافة الأطراف المعنية في المملكة، حيث أن هذا التنسيق يُعلي مستوى القطاعات الحكومية، لجعل مخرجات التعليم الوطني ذات قيمة لا ان تعمل على تقويضها.