عندما تخاطب نفسك!
| زهير توفيقي
أحيانا أجدني أخاطب نفسي أكثر مما أخاطب الناس! ليس هروبا من الواقع، بل لأن الواقع نفسه أصبح معكوسا، مقلوبا على نحو يربك المنطق؛ فقد أصبحت أرى أن التعامل مع الآخرين بات عكس الحقيقة وعكس الإنصاف، فما إن تتصرف بنية صافية أو موقف مبدئي، حتى تُتَّهَم بأنك أنت المخطئ، بينما يخرج من أساء إليك بريئا أو حتى ممدوحا! الناس – أو على الأقل كثير منهم – لم يعودوا يعترفون بخطئهم، وإن واجهتهم بالحقيقة، ردّوا بوقاحة أو بابتسامة خجولة لا تُفضي إلى اعتذار. في هذا الزمان تغيّرت الذوقيات والأصول، وغابت قيمة الاحترام، حتى صرنا نعيش زمنا يُكافَأ فيه المتملّق، ويُستبعَد فيه الصادق، ويُتَّهم النزيه بأنه “لا يعرف كيف يتعامل”، بينما يُمدح المراوغ على أنه “ذكي ومرن”! ولعلّ أصعب ما في هذا الزمن أن تشعر بالوحدة وأنت بين الناس، أن تكون محاطا بالأصوات لكنك لا تجد من يسمعك حقا؛ فالكل يتحدث، لكن قليل من يصغي. وأصبح الحوار أشبه بمباراة كلام، لا تبادل فهم؛ لذلك صرت أجد في حديثي مع نفسي مساحة صدق لا يلوثها تصنّع، ولا يقطعها تكلّف المجاملات أو حسابات المصالح! وأحيانا أعترف.. على الرغم من يقيني بأنني على حق، تنتابني لحظات أشك فيها بنفسي، وأسألها همسا: هل أنا المخطئ حقا؟ هل تغيّر الناس أم أنني لم أعد أفهمهم؟ ثم أعود لأخاطب نفسي بثقة هادئة: لا، لست أنت المخطئ.. الخطأ في زمن لم تعد الناس فيه تستحي! كما أن الثبات على المبدأ له ثمن، وغالبا ما يكون باهظا. قد تخسر فرصا، أو علاقات، أو مكانة؛ لأنك اخترت الطريق الصعب: طريق الصدق. لكن في المقابل، تربح ما هو أثمن: راحة الضمير، ونقاء القلب، وسكينة الداخل. فكم من أشخاص يبدون ناجحين في الخارج، لكنهم في أعماقهم منهكون من كذبهم على أنفسهم. يقول الحديث الشريف “إذا لم تستحِ فافعل ما شئت”، وكأن هذا الحديث صار واقعا نراه كل يوم؛ فنجد أن الكذب أصبح وسيلة، والالتفاف على الحقيقة مهارة، والصدق عملة نادرة لا يتداولها إلا القليل ممن ما زالوا يؤمنون بأن الضمير لا يُشترى. ومع كل ما حولنا من ضجيج الزيف، ما زال هناك بصيص ضوء؛ فهناك من يتمسك بالقيم في صمت، من يعمل بضمير دون أن يطلب تصفيقا، هناك من يختار الحقيقة حتى لو سار ضد التيار، هؤلاء هم من يجعلوننا نؤمن بأن الخير لم يمت، وأن مخاطبة النفس ليست هروبا، بل تربية لها على الثبات وسط الزيف. ومع كل هذا، سأظل أخاطب نفسي لأذكّرها بأن الثبات على المبدأ ليس ضعفا، وأن التمسك بالقيم ليس تخلّفا عن ركب الحياة، بل هو ما يبقي الإنسان إنسانا في عالم تداخلت فيه الأقنعة بالوجوه.
الخلاصة يقول المثل العربي القديم “اللبيب بالإشارة يفهم”! هل وصلت الرسالة؟!
كاتب وإعلامي بحريني