ذبحُ الكَفَرَة!
| د. جاسم المحاري
يستفرد المنهاج الإسلامي – الذي حاز على مرتبة الشرف المتقدمة – في بروز ما يُعرف بـ “المجتمع العالمي” الذي يوسَم بخلوه من عوازل الفكر وحواجز النفس قبَال معتنقي الديانات والعقائد المختلفة وسط مقتضيات المصالح المتبادلة والمنافع المضطردة والمعشر الجميل والصلات القوية والتعامل الحسن والتقوى البارّة في مجمل مبادئه التي يتجلّى فيها تكريم الإنسان واحترام إرادته وفكره ومشاعره دون إكراه على عقيدة أو دين، أو قيود في معتقد أو مؤتمن، حتى بلغت سماحته تكريم الإنسان بعيدًا عن جنسه ولونه ودينه ولغته ووطنه وقوميته ومركزه ومنصبه ومكانته، في أجواء فائضة بالكنف الرحيم والود الواسع والحُلم الفسيح. الدّين الذي شمل كلّ ذاتٍ مقدسّةٍ عُبِدَت بحقٍّ، أو باطلٍ، بأصلٍ سماوي صحيح أو سماوي مُحرّفٍ أو وضعي مبتدع وفق ما أشارت له أدبيات المُحدثين؛ يُترجم اعتقادًا بمجموعة سلوكات الخضوع والاستسلام التي تختلج ذلًّا وحبًّا تارةً، ورغبةً ورهبةً تارةً أخرى، اعتنقه وقتذاك الكائن البشري - عصورًا ودهورًا - أديانًا متعددة وعقائد مختلفة أذهبته مذاهب شتى ونزاعات حُبلى أشعلت الحروب وبثت الفتن، وأحرقت أخضره ويابسه، وأهلكت حرثه ونسله؛ حتى محين شرعة الإسلام الحقّ التي مَحورَت كينونة هذا الإنسان الضعيف – باعتباره قبضة من طين الأرض ونفخة من روح - مخلوقًا عزيزًا مُكرّمًا، قد صانته من آثار المعاصي وثارات الذنوب، حينئذٍ استخلفته عزة وجلالة الخالق الجبّار على الأرض، عامرًا لها وعادلًا فيها وساميًا بها.
نافلة: تتناقل حادثة “الإيذاء” الشهيرة التي تعرّض لها نبيّ الأمّة (ص) من جاره الذّمي في تعمد الأذى وإمعان الضرر بوضع القمامة والقاذورات أمام منزله الشريف، وفي المقابل معاودته (ص) له وتمنّي شفاءه حين سمع بمرضه. هذه الحادثة التاريخية المعروفة لدى عامة المسلمين وخاصتهم، تُنافي – حتمًا - دعوات اليوم المؤلمة التي تتناقض مع ما جاءت به شِرعة سيد المرسلين (ص)، تلك السنة النبوية لا السنة الخارجية في تعاملها المُحسن وتعاطيها المُتراحم الذي يتناسب مع إنسانية الآخر المُخالف من ذوي الديانات والنحل والمذاهب الأخرى، وتأكيدًا على احترام آدميته دون غلظة أو شدة، وتجنيبه إيلام العذاب وإزهاق الروح وإخضاع النفس وإظهار التّشفي ومنافاة الإحسان وإفساد الأرض، بعيدًا عن خُطى قتلة الآدميين وذَّباحي البهائم في أبسط دعاويهم: بهؤلاء كَفَرَة وأولئك فَجَرَة، بعد أنْ استنبطوا (لغوًا) بلا علم ولا هُدى أهمّ المُهمّات وأفضل القُرُبات في قوله الكريم (ص): (لقد جئتكم بالذبح!)؛ حتى ازدادت ظُلُمات دُنياهم تفاقمًا واشتعلت نِيران أُخراهم التهابًا.
كاتب وأكاديمي بحريني