الصفة والموصوف
| سليم مصطفى بودبوس
لا تقلق عزيزي القارئ، فلن أعيد عليك درس القواعد المشهور عن الموصوف (المنعوت) والصفة (النعت)، فقد تشبّعنا به في المدارس بمختلف مراحلها. لكنّ بعضنا نسي أو يتناسى أنّ الصفة لابد أن تكون لصيقة بالموصوف، وجزءا حقيقيا منه، لا تنفكّ عنه، ولا تلصق به جزافا.. نعم ذاك حال كثيرين ممّن يصفون أنفسهم اليوم بالخبير والدكتور والمدرّب والمساعد النفسي.. وغيرها من الصفات التي هي منهم بَراء. لقد ظهر علينا كثير من الناس على مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في بعض وسائل الإعلام بمسميات وصفات وألقاب تتجافى عن أسمائهم. فكيف انتحلوها؟ البعض منهم ربّما شارك في حضور ورشة عن جودة الحياة أو السعادة النفسية فحصل مثلا على شهادة مشاركة، والآخر ربما حضر دورة تدريبية افتراضية لفترة وجيزة واستلم من مركز التدريب أو الشركة المنفذة شهادة خبرة في مجال ما، والآخر ربما جامله أصدقاؤه وأطلقوا عليه لقب الأستاذ أو الدكتور، وآخرون حين يدعون إلى وسائل إعلام يتكرم عليه المذيع بلقب الخبير أو الأخصائي حتى يعطي وهجا لحصته التلفزيونية أو الإذاعية.. إلى غير ذلك من الحالات. هذا الادعاء هو صورة من صور الغشّ لخداع الآخرين، واستسهال غريب لمنح أنفسنا صفات ليست فينا؛ فمثل هذه الصفات (خبير، مدرب...) لا تكتسب إلا بعد سنين طويلة من العمل الجاد والاجتهاد في مجال تخصصي بعينه، ولا يمكن أن تُسند إلا من جهة عمل موثوقة أو مركز علميّ معترف به، هذه الألقاب والصفات ليست زينة اجتماعية ندبّج بها أسماءنا وسيرنا الذاتية إلى درجة أنها أفرغت من معناها الحقيقي وصار كل من هب ودبّ يسندها إلى اسمه. إن الكثير من الدول تجرّم استخدام ألقاب مهنية وعلمية دون إثبات أو دون الحصول عليها من مؤسسة علمية أو جامعية معترف بها؛ فلقب خبير يتطلب اعتمادا رسميا وكذلك مدرّب حياة (والتي صارت حمار المهن اليوم) لابد أن تكون من مؤسسة معترف بها داخل دولتك حتى يحق لك العمل بمقتضاها واستخلاص فائدة مادية من ورائها. وهذه الصفات التي لا تتفق مع الموصوف، تفقد مصداقيتها حين تكون مغشوشة ولا تقدّم لنا سوى نماذج زائفة قد تؤثر على المراهقين والشباب وتدفعهم إلى قرارات خاطئة. ختاما لا يسعني إلا أن أتذكّر وأحيّي جيل العمالقة الذين دَرَسْنا عندهم وتعلمنا منهم مهارات الحياة وقيادة المشاريع وريادة الأوطان.. جيلا من المترفّعين عن الألقاب، جيلا من الرواد كان اسمه في ذاته تشريفا للقب وصفة قبل أن يكون موصوفا.
كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية