لماذا يموت “البعض” كمدًا
| أسامة مهران
عندما يعيش “البعض” منا في أسفل الهرم المقلوب، ويتصور أنه بلغ من القمم أعلاها، ومن الذرى مداها، وحين يبدأ الصعود والصعود والصعود، فيجد نفسه لا يصعد إلا مرة واحدة، تروعه الحقيقة، ويفزعه الواقع المتردي الأليم، فيموت الفنان كمدًا، والشاعر والروائي والصحافي الموهوب أيضًا، هكذا قرأت، أو هكذا تخيلت، أو هكذا شبّه لي، لماذا نموت مقهورين، ونعيش مضطربين، ونحاول الخروج من النفق غير مكترثين بما سيفعله الناس بنا. أعرف أننا لسنا أهل كهف، وأدرك تمامًا أنني لم أنم 300 عام لأنني استيقظت فجأة على ذلك الكابوس المرعب، فلان أخذ زمانك ومكانك، وفلان داءذهبت به الفرص إلى قمة الهرم المعتدل وليس الهرم المقلوب، وذاك أدركته الجائزة الكبرى بفعل أصدقاء اللحظة، ورفقاء الدرب المتمصلحين. هكذا تذكرت الشاعر الذي يموت على فراش الحاجة، والأديب الذي يزج به في مستشفى الأمراض العقلية لأنه لم يجد عملًا يحفظ كرامته وينقذه من العوز ومد اليد، ولحسن الطالع أنني عندما أفقت من فزعي وتحركت بعيدًا عن فراشي فإذا بي أجد نفسي في مكاني الذي أنا عليه، حمدت الله وشكرت فضله، وقلت لنفسي: ماذا نريد أكثر من ذلك. استمعت للنصيحة، ومشيت داخل الجدار المحيط بمنزلي، فإذا بي أعثر على فراشة ملونة يقال إنها روح ذكية ترعاك، وأم عزيزة لم تفقدها، ووطن غال تعيش فيه ويعيش فيك. حمدت الله وشكرت فضله مرة أخرى أنني داخل الجدار أتحرك بحرية، وأتنفس بحرية، وأصرخ بأعلى صوتي: اخرجوني من هذا “اليم” بحرية، فلا أحد يسألني: أين أنت، ولا أحد يلومني على ما أنا فيه، لا نديم سابق يمكن هجرة الكأس إلى صديق قديم كان يطلب المساعدة حتى صعدت روحه إلى بارئها. لماذا يموت الشعراء في بلادنا كمدًا؟ لأنني تذكرت العنوان، وحزنت لأن ذلك الموت كان حقيقيًّا لحدث قد حدث، بالتحديد عندما فارق الحياة ثلاثة شعراء عاشرتهم وأحببتهم، وتعلمت منهم، هم: حلمي سالم ورفعت سلام ود. محمود نسيم، كنت مدينا لهم بكتاب للدكتور عبدالله شحاته وهو يشرح علم “العروض” بسلاسة منقطعة النظير، آه.. الآن تذكرت، لقد حصلت على هذا الكتاب من الدكتور محمود نسيم من قبل أن يصبح أكاديميا ومسرحيا وشاعرا معروفا، أعطاني إياه ونحن لم نبلغ الثامنة عشرة، قال لي: خذ هذا، سوف تتعلم منه كيف تكتب شعرًا؟ ومنذ ذلك الحين حتى قراءة ذلك العنوان الذي يطرح السؤال الأليم: لماذا يموت الشعراء في كل حال.. كمدًا؟ لم يكن أمامي سوى أن أفتش عن وظيفة شاعر، عن مهنته، هل توجد وظيفة في بلادنا تحمل اسم شاعر، أو روائي، أو رسام، لحقتني هذه الإجابة: نعم.. هناك وظيفة مدير، هل يمكن أن يصبح الشعراء مدراء؟ لقد أجبت على السؤال: يا للهول، هذا يدل على أن الشاعر مهمته القراءة والكتابة، وحياته القراءة والكتابة، هو مخلوق استثنائي، لا يقبل الوظيفة، ولا يحتاج لراتب أو معاش تقاعدي أو إفطار الصباح، ولا عشاء المساء، هو لا يحتاج سوى الدعاء ثم الدعاء. وهنا يطرح السؤال نفسه.. لماذا يموت بعض الصحافيين كمدًا؟ وهنا أيضًا أسأل نفسي: كيف انضم الصحافيون إلى قافلة الشعراء؟ هل إنهم حقًّا فنانون يرتقون إلى مرتبة المبدعين؟ بحكم مهنتي كصحافي سابقًا وشاعر تحت التمرين، انتابني الذهول من هول الأسئلة، ومن طول الألسنة، وعجز العبد لله عن الكلام.
*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية