البحرين... من جزيرة إلى مختبر عربي مفتوح لصناعة الذكاء

| ياسر سليم

في زحمة الندوات والجلسات التي شهدها مؤتمر القاهرة الدولي للتكنولوجيا والاتصالات Cairo ICT، الذي اختتم فغاليته بنجاح أمس، لفت الحضور العربي إلى حقيقة أصبحت أوضح من أن تُخفى: ثمّة دولة خليجية صغيرة المساحة، لكنها كبيرة الأثر، تتحوّل تدريجيًّا إلى ورشة عربية نموذجية لبناء مستقبل الذكاء الاصطناعي.  البحرين، التي طوت خلال سنوات قليلة مسافة طويلة نحو التحوّل الرقمي، صارت اليوم — باعتراف خبراء عرب بارزين — أحد أكثر التجارب إلهامًا في الإقليم. كان الدكتور ناصر فؤاد، مستشار الاتحاد العربي لتقنيات الاتصالات، واضحًا في شهادته: «تجربة البحرين في الذكاء الاصطناعي قفزت قفزة كبيرة… لقد أثبتت أنه لا يوجد كبير وصغير بين العرب؛ التفوّق التكنولوجي يعتمد على الإرادة والالتزام قبل المال». كلمات جاءت صريحة، تُبرز جوهر التحوّل البحريني: وعي سياسي وإداري بأن الذكاء الاصطناعي ليس رفاهًا، بل رهانًا اقتصاديًا وطنيًا. وفي السياق ذاته، أضاف راشد السنان، نائب رئيس الاتحاد من البحرين، بعبارات تنمّ عن ثقة مشروعة في المنجز الوطني: «أطلقت البحرين استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، وAI اليوم هو المحرّك الرئيس لصناعة تقنية المعلومات. نحن بحاجة لبناء مجموعات عربية متخصّصة تعمل تحت مظلة الاتحاد».  وإذ يضع السنان الأخلاق في قلب العملية، مشددًا على “الذكاء الاصطناعي الأخلاقي”، فإنه يعيد تذكير المتابعين بأن البحرين لا تركض خلف التكنولوجيا بقدر ما تسعى إلى ترويضها وتضمينها في ثقافتها وسلوكها وتعليمها. هذه الإشادة ليست مجاملة بروتوكولية ولا استثناءً في سجلّ التطوير العربي؛ فالمملكة التي تبنّت سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي، وشاركت في صياغة ميثاق خليجي لأخلاقيات الـAI، تعمل وفق رؤية تتسم بقدر كبير من الانضباط والشفافية.  لقد وضعت البحرين الذكاء الاصطناعي على خطّ متوازٍ مع التعليم والحوكمة والخدمات، معتبرةً أن التقنية لا تُثمر إلا حين تتوافر لها بيئة قانونية ناضجة وإرادة دولة واضحة.  ولعلّ أبرز ما يميّز التجربة البحرينية هو تركيزها العميق على بناء الإنسان قبل بناء الخوارزميات. فهناك برامج وطنية تستهدف تدريب عشرات الآلاف من الشباب البحريني على مهارات الذكاء الاصطناعي، ومسارات أكاديمية مكرّسة في الجامعات، ومبادرات لتحويل مشاريع التخرج إلى حلول حكومية. وإذ تُنشئ المملكة منصّات ومسابقات للابتكار مثل “خالد بن حمد للذكاء الاصطناعي”، فإنها تُعيد تعريف العلاقة بين الطالب والتكنولوجيا؛ ليس مستخدمًا، بل صانعًا وشريكًا ومبتكرًا. أما على مستوى الحوكمة، فقد كانت البحرين من أوائل الدول العربية التي وضعت “إرشادات للمشتريات الحكومية في الذكاء الاصطناعي”— إطارًا تنظيميًا يحول دون الانجراف خلف تطبيقات غير ناضجة، ويضمن أن تنمية الذكاء الاصطناعي ترافقها مساءلة ومعايير واضحة.  وهذا ما جعل كثيرًا من الخبراء يرون أن البحرين تقوم عمليًا ببناء “نموذج قابل للاقتباس” عربيًا.

ولعّل أهمية التجربة البحرينية تتجاوز حدودها الجغرافية؛ فهي تقدّم للدول العربية ما تفتقر إليه المنطقة منذ عقود: نموذج صغير الحجم، لكنه مكتمل العناصر. بنية رقمية متماسكة، إرادة سياسية مستقرة، تنظيم قانوني متقدم، واستثمار حقيقي في المواهب. ولذلك جاءت الإشادات العربية في جلسات Cairo ICT ليست فقط احتفاءً، بل دعوة مبطّنة: إذا استطاعت البحرين، فلماذا لا تستطيع الدول الأكبر؟

المعادلة التي تقدمها المملكة بسيطة: الإرادة قبل الإمكانات، الإنسان قبل التقنية، والأخلاق قبل الاستخدام. في زمن تتسارع فيه الخوارزميات، وفي مشهد عربي يعاني تباعد الاستراتيجيات وتكرار الجهود، تبدو البحرين وكأنها تُلوّح بالقول: الذكاء الاصطناعي لا يُبنى بالصدفة، ولا يتحقق بالإنفاق وحده، بل بالتصميم والرؤية والتنسيق.

هكذا تتحوّل البحرين، الصغيرة جغرافيًا، إلى مسرح واسع لإعادة تخيّل المستقبل العربي؛ لا بوصفها دولة متقدمة تقنيًا فحسب، بل بوصفها رافعة فكرية وتنظيمية يمكن أن يسند إليها مشروع “منظومة عربية موحّدة للذكاء الاصطناعي” طال انتظاره.  إنها ليست تجربة وطنية فقط، بل مرآة يمكن للعرب أن يروا فيها ما يمكن أن يكون عليه مستقبلهم إذا ما التقت الرؤية بالإرادة، والموهبة بالتنظيم.