الاستثمار في الاستدامة لبناء رأس مال بشري عالي القيمة

| د. نجيب الغربال

الاقتصادات‭ ‬الحديثة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬التقليدية‭ ‬فقط مع‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬نماذج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأخضر‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الدائري‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬الاستثمار إدماج‭ ‬مفاهيم‭ ‬الاستدامة‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬يساهم‭  ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬جيل‭ ‬يدرك‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والبيئة‭ ‬والمجتمع‭ ‬

‭ ‬يشهد‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬تحولًا‭ ‬جذريًّا‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية؛‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الحديثة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬التقليدية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬ذاته‭ ‬باعتباره‭ ‬المورد‭ ‬الأكثر‭ ‬ندرة‭ ‬وقيمة‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬دور‭ ‬الاستدامة‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬السياسات‭ ‬الوطنية،‭ ‬بات‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الاستدامة‭ ‬مقدمة‭ ‬أساسية‭ ‬لبناء‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬بشري‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬والمنافسة‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬وطنية‭ ‬عالية‭ ‬الجودة‭. ‬ومع‭ ‬توجه‭ ‬الدول‭ ‬نحو‭ ‬نماذج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأخضر‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الدائري،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬الاستثمار‭ ‬ليشمل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬الإنسان‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬وعيه‭ ‬وتعليمه‭ ‬ومعارفه‭ ‬ومهاراته‭ ‬وسلوكه،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬تحديات‭ ‬المستقبل‭.‬

لقد‭ ‬أصبح‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الاستدامة‭ ‬أحد‭ ‬المحركات‭ ‬الأساسية‭ ‬لتعزيز‭ ‬قيمة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث،‭ ‬إذ‭ ‬تسهم‭ ‬ممارساتها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬وعي‭ ‬الفرد‭ ‬وصقل‭ ‬مهاراته‭ ‬وترسيخ‭ ‬سلوكه‭ ‬المسؤول‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬مكانته‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬ويقوي‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬رشيدة‭ ‬تقلل‭ ‬الهدر‭ ‬وترفع‭ ‬الكفاءة‭. ‬وبهذا‭ ‬المسار،‭ ‬تتحول‭ ‬الاستدامة‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬منهجية‭ ‬لبناء‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬بشري‭ ‬واعد‭ ‬عالي‭ ‬القيمة‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬وابتكار‭ ‬حلول‭ ‬تنافسية،‭ ‬ليساهم‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬وطنية‭ ‬مستدامة‭ ‬ومتوازنة‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬والسلطة‭ ‬التشريعية‭ ‬والمواطن‭ ‬والمجتمع‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يأتي‭ ‬التعليم‭ ‬المستدام‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الركائز‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬بشري‭ ‬عالي‭ ‬القيمة،‭ ‬إذ‭ ‬يساهم‭ ‬إدماج‭ ‬مفاهيم‭ ‬الاستدامة‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬حتى‭ ‬الجامعة‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬جيل‭ ‬يدرك‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والبيئة‭ ‬والمجتمع‭. ‬فالتعليم‭ ‬الأخضر‭ ‬يعزّز‭ ‬مهارات‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬وحل‭ ‬المشكلات‭ ‬والعمل‭ ‬الجماعي،‭ ‬ويُكسب‭ ‬الطالب‭ ‬قدرةً‭ ‬أعمق‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬يومي‭ ‬مسؤول‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬تعكس‭ ‬المؤشرات‭ ‬الوطنية‭ ‬حجم‭ ‬الجهد‭ ‬المبذول‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬التعليم‭ ‬وبناء‭ ‬القدرات‭. ‬فبحسب‭ ‬آخر‭ ‬البيانات‭ ‬المالية‭ ‬المتاحة‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬المالية‭ ‬لعام‭ ‬2023‭ ‬بلغ‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬نحو‭ ‬330‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬بحريني،‭ ‬ليشكّل‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬بنود‭ ‬الصرف‭ ‬العام‭ ‬ويؤكد‭ ‬أولوية‭ ‬بناء‭ ‬جيل‭ ‬يمتلك‭ ‬مهارات‭ ‬المستقبل‭. ‬كما‭ ‬تُظهر‭ ‬مراجعات‭ ‬الأداء‭ ‬الوطني‭ ‬المرتبطة‭ ‬بأهداف‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ (‬Voluntary National Review-VNR 2023‭) ‬تخصيص‭ ‬نحو‭ ‬454‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬لبرامج‭ ‬الدعم‭ ‬والحماية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وهي‭ ‬مؤشرات‭ ‬تعزز‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬والاستقرار‭ ‬الأسري‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬إيجابًا‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬التعليمي‭. ‬وقد‭ ‬بدأت‭ ‬الجامعات‭ ‬الوطنية‭ ‬والخاصة‭ ‬تبني‭ ‬توجهات‭ ‬تعليمية‭ ‬متقدمة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إدراج‭ ‬مقررات‭ ‬الاستدامة‭ ‬ضمن‭ ‬البرامج‭ ‬الجامعية‭ ‬وتعزيز‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬والبيئة‭ ‬والحوكمة‭. 

وتوضح‭ ‬بيانات‭ ‬هيئة‭ ‬المعلومات‭ ‬والحكومة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬للأعوام‭ ‬2023‭ - ‬2024‭ ‬أن‭ ‬الجهود‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬مهارات‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬شهدت‭ ‬توسعًا‭ ‬ملحوظًا،‭ ‬إذ‭ ‬استفاد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬18‭ ‬ألف‭ ‬موظف‭ ‬حكومي‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬التدريب‭ ‬الإلكتروني‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الحكومية،‭ ‬فيما‭ ‬نُفّذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬580‭ ‬برنامجًا‭ ‬تدريبيًّا‭ ‬متخصصًا‭ ‬في‭ ‬المهارات‭ ‬الرقمية‭ ‬والإدارية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تدريب‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬7‭,‬000‭ ‬موظف‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭. ‬ورغم‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الجهود،‭ ‬فإن‭ ‬تعظيم‭ ‬أثرها‭ ‬يتطلب‭ ‬ربطها‭ ‬بمنظومة‭ ‬تعليمية‭ ‬وبحثية‭ ‬أشمل‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬المهارات‭ ‬إلى‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬بصورة‭ ‬متوازنة‭ ‬ومستدامة‭.‬

وترتبط‭ ‬الاستدامة،‭ ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬الحديثة،‭ ‬ارتباطًا‭ ‬وثيقًا‭ ‬بالصحة‭ ‬الجسدية‭ ‬والنفسية؛‭ ‬فالمفاهيم‭ ‬التي‭ ‬يتعلمها‭ ‬الطالب‭ ‬داخل‭ ‬الفصل‭ ‬الدراسي‭ ‬حول‭ ‬جودة‭ ‬البيئة‭ ‬وترشيد‭ ‬الموارد‭ ‬وأنماط‭ ‬الحياة‭ ‬الصحية‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬الإطار‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬بل‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬سلوكه‭ ‬اليومي‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬خيارات‭ ‬أكثر‭ ‬مسؤولية‭. ‬ومن‭ ‬المرجّح‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬الطالب‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬إلى‭ ‬بيئته‭ ‬المنزلية،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الوعي‭ ‬الأسري‭ ‬بالاستدامة‭ ‬وتعزيز‭ ‬انتشارها‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬ليقترب‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافه‭ ‬المنشودة‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والوطني‭. ‬فالبيئة‭ ‬النظيفة‭ ‬والمساحات‭ ‬الخضراء‭ ‬وأنماط‭ ‬الحياة‭ ‬الصحية‭ ‬تقلل‭ ‬الأمراض‭ ‬وتزيد‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬المستدامة‭ ‬المتوافقة‭ ‬مع‭ ‬الأهداف‭ ‬السبعة‭ ‬عشر،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬السلامة‭ ‬المهنية‭ ‬والرفاه‭ ‬النفسي،‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬أداء‭ ‬الموظفين‭ ‬وتعزيز‭ ‬رضاهم،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬المؤسسات‭ ‬وجودة‭ ‬مخرجاتها‭ ‬وارتفاع‭ ‬كفاءتها‭ ‬الإنتاجية‭.‬

ومع‭ ‬تطور‭ ‬متطلبات‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬أصبح‭ ‬تحديث‭ ‬المنظومة‭ ‬التعليمية‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحّة‭. ‬فدمج‭ ‬مهارات‭ ‬المستقبل‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الأخضر‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬المدرسية‭ ‬والجامعية‭ ‬يعزز‭ ‬قدرات‭ ‬التحليل‭ ‬والإبداع‭ ‬لدى‭ ‬الطلبة،‭ ‬ويجعل‭ ‬التعليم‭ ‬مسارًا‭ ‬لبناء‭ ‬كفاءات‭ ‬وطنية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭.‬‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تلعب‭ ‬وزارة‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًّا‭ ‬في‭ ‬مواءمة‭ ‬السياسات‭ ‬التعليمية‭ ‬مع‭ ‬التوجهات‭ ‬الوطنية‭ ‬للاستدامة،‭ ‬وضمان‭ ‬اتساقها‭ ‬مع‭ ‬مستهدفات‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭. ‬كما‭ ‬ساهمت‭ ‬مبادرات‭ ‬وطنية‭ ‬مثل‭ ‬مركز‭ ‬ناصر‭ ‬للبحوث‭ ‬والتطوير‭ ‬والهيئة‭ ‬الوطنية‭ ‬لعلوم‭ ‬الفضاء‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬بيئة‭ ‬تدريبية‭ ‬وبحثية‭ ‬متقدمة‭ ‬تساعد‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬عملية‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬تتسع‭ ‬ملامح‭ ‬الاستدامة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬البنية‭ ‬الوطنية‭ ‬عبر‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬وكفاءة‭ ‬الطاقة‭ ‬والمباني‭ ‬الخضراء،‭ ‬إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬التطلعات‭ ‬المستقبلية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمشروع‭ ‬القطار‭ ‬الخليجي‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬2050‭. ‬وتمثل‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬بنية‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬تُسهم‭ ‬بطبيعتها‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬نوعية‭ ‬للمواطن‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬وفي‭ ‬الوظائف‭ ‬المستقبلية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بأنظمة‭ ‬النقل‭ ‬الذكي‭ ‬والقطارات‭ ‬عند‭ ‬تنفيذها،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬مسار‭ ‬الإحلال‭ ‬ويرفع‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬للوظائف‭ ‬الوطنية‭.‬

وتشير‭ ‬تقارير‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬مثل‭ ‬UNICEF‭ ‬وOECD‭ ‬والبنك‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والمهارات‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬الاستثمارات‭ ‬عائدًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬تظهر‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬دولار‭ ‬واحد‭ ‬يُستثمر‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بما‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬2.5‭ ‬إلى‭ ‬9‭ ‬دولارات‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والنمو‭ ‬وتقليل‭ ‬تكاليف‭ ‬البطالة‭ ‬والرعاية‭ ‬الاجتماعية‭. ‬وهذه‭ ‬العوائد‭ ‬المرتفعة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬ليس‭ ‬إنفاقاً‭ ‬بلا‭ ‬عائد،‭ ‬بل‭ ‬أصل‭ ‬اقتصادي‭ ‬يولد‭ ‬قيمة‭ ‬سنوية‭ ‬متراكمة‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬تنافسية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وجاذبيته‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬وتدعم‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬وظائف‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬وتعزيز‭ ‬مساهمة‭ ‬القطاعات‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭.‬

وفي‭ ‬البحرين،‭ ‬تتسارع‭ ‬الخطوات‭ ‬نحو‭ ‬ترسيخ‭ ‬الاستدامة‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬2030‭ ‬وتطلعات‭ ‬2050‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬مرن‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والابتكار‭ ‬والطاقة‭ ‬النظيفة‭. ‬وقد‭ ‬انعكس‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مبادرات‭ ‬تشمل‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والمباني‭ ‬الخضراء‭ ‬والنقل‭ ‬المستدام‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬جاهزية‭ ‬الإنسان‭ ‬البحريني‭ ‬للتفاعل‭ ‬مع‭ ‬اقتصاد‭ ‬المستقبل،‭ ‬ويؤسس‭ ‬لرأس‭ ‬مال‭ ‬بشري‭ ‬متطور‭ ‬وعالي‭ ‬القيمة‭.‬

إن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الاستدامة‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬المشروعات‭ ‬أو‭ ‬البنى‭ ‬التحتية،‭ ‬فهو‭ ‬يطور‭ ‬وعي‭ ‬الفرد‭ ‬ويعزز‭ ‬مهاراته‭ ‬ويرتقي‭ ‬بصحته‭ ‬ويدعم‭ ‬تمتعه‭ ‬بحياة‭ ‬كريمة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬خلق‭ ‬وظائف‭ ‬جديدة‭ ‬للمواطن‭ ‬وتعزيز‭ ‬سياسات‭ ‬الإحلال‭ ‬يمثلان‭ ‬ركيزة‭ ‬مهمة‭ ‬للاستدامة‭ ‬الأسرية،‭ ‬ويمنحان‭ ‬الفرد‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والإبداع‭ ‬والمنافسة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬سريع‭ ‬التغير‭. ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬الرؤية‭ ‬الوطنية‭ ‬للمستقبل‭ ‬يتأكد‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الأصول‭ ‬المادية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬القيمة‭ ‬ويقود‭ ‬التنمية‭ ‬ويحوّل‭ ‬الطموح‭ ‬الوطني‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭ ‬مستدام‭.‬

 

*أكاديمي بحريني