أزمة العقل قبل أزمة الموقف
| أسامة الماجد
هناك مقياس واضح للتقدّم والتحضّر في كل نشاط يقوم به الإنسان، مقياس يقوم على احترام القانون وصون السلم الأهلي والتزام الحقيقة. ومن يغرق المجتمع بأخبار سلبية وكاذبة، ويتعمّد إثارة النعرات الطائفية، ويصرّ على تحدّي القانون في كل مناسبة، ماذا يمكن أن نطلق عليه سوى أنه جزء من مشكلة أعمق تهدّد الوعي الجمعي؟ فهؤلاء الذين يبرعون في صناعة التناقضات ونسج الأوهام يعيشون أزمة حقيقية، أزمة لا يمكن حلّها إلا بتغيير جذري في العقليّة، وهو أمر يبدو بعيد المنال. إنهم يسعون لاستعادة مواقع مفقودة وأهداف لم تعد تخفى على أحد، وكأن دروس الماضي لم تمرّ بهم، أو كأنهم يرفضون أصلًا التعلّم منها. لا يزال هؤلاء يسيرون على ذات النهج، ويكرّرونه بطرق مختلفة، ويعملون على تضخيم الأمور بأسلوب يستهدف سمعة البلد ويشوّه منجزاته. ينقّبون عن الأكاذيب أينما حلّوا، ويعتاشون على التشويه، ولا نعلم متى سيتعلّمون أو متى ستتبدّل أفكارهم ومعتقداتهم ويتخلّون عن هذا الطريق الذي لا يجلب إلا الشرّ. كل ما يمتّ للكذب بصلة يقبلون عليه ويجرّبونه، ويوزعون الاتهامات كما توزّع الحلوى على الأطفال. إن المسؤولية الوطنية تحتم على الفرد ألّا يسيء إلى وطنه، فقد باتت حلقات التحرك المعادي، صغيرها وكبيرها، مكشوفة للعيان. إنها مسرحية انتهت فصولها. يكفي... مارسوا حياتكم بلا إساءة، بلا فبركات، بلا تعدٍّ على الوطن، وبلا بثّ أخبار كاذبة، ولعلّ أخطر ما في هذا المسار أن أصحابه يظنون أن الزمن يمكن أن يعود إلى الوراء، وأن أدوات الفوضى قادرة على صناعة حضور أو بناء نفوذ. يغيب عنهم أن المجتمعات تنضج، وأن الوعي العام لم يعد هشًّا كما يتخيّلون.