العدّاء المعجزة

| زهير توفيقي

في زمنٍ تتغلب فيه الأعذار على الإرادة، خرج علينا رجل من الهند، تجاوز المئة من عمره، يركض بخفّة الشباب، ويُجسّد روح العزيمة والانضباط، لا ليُبهر، بل ليُلهم. إنه فوجا سينغ، العداء الأسطوري الذي بدأ رحلته مع الجري في عمرٍ لا يتوقّعه أحد: 89 عامًا، حين يرى كثيرون أن هذا العمر هو وقت الاستراحة، لا الانطلاق، لكنه رأى فيه بداية جديدة، وتحولًا نحو نمط حياة نشط وصحي. في العام 2004، كان يبلغ من العمر 93 عامًا حين أكمل ماراثون لندن، ليصبح بذلك أكبر من أكمل هذا السباق في تاريخه. ومنذ ذلك الحين، أصبح رمزًا عالميًا للإصرار وقوة الإرادة، وعضوًا بارزًا في نادي “العدّائين السيخ في المدينة” بشرق لندن. لم تكن الرياضة بالنسبة له مجرد هواية، بل فلسفة حياة. جسدٌ يتحرك هو عقلٌ يقظ، وروحٌ لا تشيخ. لم يبحث عن مجدٍ شخصي، بل عن رسالة يوجهها لكل إنسان: لم يفت الأوان بعد لتبدأ، لا للعناية بجسدك، ولا لاختبار قوتك، ولا لتغيير حياتك. رحل فوجا سينغ في حادثة سير في شهر يوليو الجاري عن عمرٍ ناهز 114 عامًا، لا على سرير المرض، ولا من تعب السنين، بل وهو ما يزال يمشي، ويتحرك، ويُلهم، وكأن الحياة أرادت أن تكرّمه برحيلٍ يشبهه: صامت، شجاع، مُفعم بالكرامة. لقد ترك وراءه أكثر من سجلٍ رياضي؛ ترك درسًا مفتوحًا لكل شاب وامرأة: لا تؤجلوا العناية بأجسادكم، لا تستهينوا بقيمة المشي، ولا تتذرّعوا بضيق الوقت أو كسل المزاج. كان يمكن أن يركن للراحة، لكنه اختار الطريق، والسباق، والركض. رحل العدّاء الذي لم يتعب، لكنه ترك إرثًا من الإلهام. فلنجعل من قصته دعوةً صادقةً لنبدأ اليوم، الآن، وليس غدًا. في مضمار الحياة، لا يهم من بدأ أولًا، بل من استمر حتى النهاية. شخصيا مازلت ألوم نفسي كثيرًا لأنني لم ألتزم بممارسة الرياضة أثناء فترة عملي وكنت في عمر مناسب بل مثالي لمزاولتها، على الرغم من أن النادي الصحي كان يبعد بضعة أمتار من موقع عملي، ولكني كنت أتذرع بأعذار كثيرة غير منطقية! الخلاصة  هذه القصة الملهمة ماهي إلا تذكير للجميع بأن يجعلوا ممارسة الرياضة جزءًا مهمًا في برنامج حياتهم اليومية، ولا يبدأوا بوضع أي أعذار وأسباب غير مقنعة. وكما قالها الصحابي الجليل سلمان الفارسي: “إن لبدنك عليك حقا” . متمنيا للجميع الصحة والعافية.