الميد.. يا جماعة الخير، لا يصير “بألف ناقه”!

| د. بثينة خليفة قاسم

 قضية “الميد” في البحرين تستحق وقفة. ذلك السمك الذي كانت رائحته المشوية تسبق حضوره في البيوت ، صار اليوم أشبه بزائر نادر يصعب العثور عليه. كنت أتصفّح الإنستغرام حين ظهر لي مقطع للناشط الاجتماعي المحبوب “بوبديع”، يطرح فيه مناشدة لطيفة للجهات المعنية لإنقاذ ما تبقّى من الميد في مياه البحرين.

وبأسلوبه المرح قال إننا قد نصل يوماًإلى مقولة : “الميده بألف ناقه!”، في إشارة إلى ارتفاع سعره بشكل غير مسبوق. تخيّلوا أن الكيلو وصل إلى سبعة دنانير، هذا إن وُجد أصلاً. أنا عن نفسي صار لي فتره أدور عليه ، ولم أجده.. صار الميد يعبر الأسواق كما تعبر نسمات المطر في شهر يوليو! 

المفارقة أن هذا السمك الذي أصبح اليوم “نجم السوشيال ميديا”، كان في السابق متروكاً على حاله، لا يلتفت إليه كثيرون. كان الناس يفضلون الصافي والكنعد والبالول ، بينما يقف الميد في الزاوية، ينتظر نصيبه من الاهتمام. اليوم انقلب المشهد، وصار غيابه حديث المجالس. 

“بوبديع” اقترح حلولاً بسيطة وواقعية: الزراعة البحرية، حماية أماكن تكاثره، واستعادة التوازن البيئي. وهذه ليست أحلاماً، بل خطوات ضرورية تُعيد للبحر جزءاً من عافيته، وللموائد نكهتها التي يعرفها أهل الخليج العربي .

وليس الميد وحده المعرض للخطر. إن لم نتحرك الآن، فقد يلحق به الصافي، وربما يلوّح الكنعد بالرحيل، ويبحث القرقفان عن مياه بديلة. 

البحر كائن حي، يغضب عندما نُهمله، ويجود عندما نُحسن إليه.

أهل البحر يحبون الدعابة حتى في القضايا الجادة، لكن وراء الضحكة رغبة حقيقية: نريد ميداً بحرينياً أصيلاً ، ذاك الذي يشوي القلب قبل  الفحم، ولا يشبهه مستورد ولا يعوّضه بديل.

وكأنما يستعيد القلب صدى كلمات الأديب البحريني الراحل خليفة حسن قاسم، حين رسم البحر بلغته الخاصة، قائلاً:

إذا الشعمُ يوماً أراد الحياه  فلابد أن يستجيب البحر.. ولابد للعوم أن يختبئ ولابد للدغس أن ينثبر .. ومن لم يعانقه شوق الفشوت تحيّر في بلطه واندثر .. كذلك قالت لي الصافيات وحدثني بلحها والزفر .. وقال السبيطي والقرقفان  وسلس المساكر لمّا نبر .. إذا ما طمحت إلي ييمه نبشت الثرى وقالت الحجر .. ولم أتخوف ضروس الفقول  ولا عضه القبقب المستتر.. ومن لا يحب حياه الشعوم  يعش طابناً بجوار الوحر..