هل المحاصصة بديلٌ عن الديمقراطية؟
| كمال الذيب
قال الصديق: أراك تنتقد المحاصصة بكل أشكالها، وتعتبرها نقيضا للديمقراطية، لكنني أعتقد أنها قد تكون الحل المرحلي في رحلتنا نحو الديمقراطية. لذلك يمكن التعايش معها إلى أن نصل إلى ترجمة شعار المشاركة الديمقراطية وصولًا إلى المواطنة المتساوية فعليا. قلت للصديق: لا يوجد - في تقديري - شيء اسمه (مؤقت) مع المحاصصة مهما كان شكلها، لأنها وبحسب التجارب التي نعرفها، تتحول مع الوقت إلى منظومة مكتسبات يدافع عنها المستفيدون منها، وإلى بنية صلبة في مواجهة الديمقراطية وحتى الانتخابات كأبسط شكل لها. إن الآيديولوجيا التقسيمية سريعا ما تصبح الدافع وراء المواقف والقرارات التي تحدد العلاقات الاجتماعية والسياسية، فيضيق مجال العقل معها ويضعف تأثيره، لذلك لا يمكن معالجة خلل بخلل مثله على المدى الطويل. إن خيار المحاصصة يستند إلى القبول النهائي بالتقسيمات بأطروحاتها وبقصر نظرها وسطحية تشخيصها المشكلات، من خلال الأطروحات القائمة على الاعتقاد بأن تحقيق المساواة بين الطوائف مثلا في إطار الدولة هو طريق إلى بناء الديمقراطية المرحلية، في حين أن ذلك يؤدي في الواقع إلى تكريس التقسيمات نفسها، لأن الديمقراطية الحقيقية لا تتحقق إلا في مجتمع يتساوى أفراده أمام القانون، والشرط الضروري لهذه المساواة هو الحد من تأثير التقسيمات الطائفية وغير الطائفية لا تكريسها، لأن الديمقراطية في حقيقتها مساواة بين أفراد يرتبطون مباشرة بالدولة دون الحاجة إلى وسيط بينهما، وعلى أساس المواطنة الكاملة، في حين أن النزعات التقسيمية في جوهرها تعد على الاختيار الفردي باعتبار أنها تصادر حقه في الاختيار وفي اتخاذ ما يراه مناسبا من مواقف. المشكلة أن هذا النوع من الفكر - إن صح وصفه بالفكر - نجح إلى حد ما في جر قوى عديدة – بعضها يفترض أنها مستنيرة وحداثية - نحو الحسابات التي تكرس اتجاها لا يحقق في النهاية الديمقراطية الحقيقية القائمة على مبدأ المواطنة المتساوية وحرية الفرد في الاختيار. إن النظام المدني الديمقراطي وحده يفسح المجال أمام صراع الأفكار والاتجاهات السياسية بشكل سلمي وحر يقوم على الحوار العقلاني، في حين أن التقسيمات بكل أشكالها تضعها في إطار صلب وتمنع نموها وتطورها الطبيعي.
كاتب وإعلامي بحريني