خربشة ومغزى.. "اللُّغَات تنوعها ،، آيات للعالمين"
| احمد عبدالله الحسين
اللُّغَات تنوعها واختلافها آيات للعالمين، وهذا لمن تأمل سرّ نشأتها وتطورها عبر الأزمان. ذكر ذلك الله عز وجلَ في القرآن ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾.
اللغات فيها ما هو حيّ منطوق ومحفوظ عبر الأزمان، وآخر تأثر وذاب وأندثر، وغيرها توالف مع غير لغات فتشكل مغاير أصله وطبيعته. تفاصيل هذه المعرفة داخل في علم فقه اللغة واللسانيات.
وتعريف اللغات أنها أصَواتٌ ورموز وإشارات يُعَبِّر فيها البشر عن أغراضهم ومشاعرهم ومعارفهم، ويكون هذا خلال نظم تراكيب ألفاظ تحمل أصوات، ولابن خلدون في مقدمته وصف عن اللغات جاء فيه؛
"اعلم أنّ اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات وإنما هو بالنظر إلى التراكيب.
علماء اللسانيات ذكروا في دراساتهم أن هناك صلات قرابة لغوية تنشأ في كل مجموعة لغات لها تماثل، أو تشابه في الكلمات وقواعد البنية والتراكيب التي تتألف منها أو بينها، وغالبا ما تجد فيها روابط جغرافية وتاريخية واجتماعية، وهذا الفهم دفع المتخصصون في أن يعملوا تقاسيم تُنسب اللغات فيه إلى مجموعات، وهي معروفه عند الباحثين كالتالي؛
*مجموعة اللغات السامية وتضم فيها العربية والبابلية والآشورية والأكدية والآرامية والكنعانية (الفينيقية) وكذلك العبرية. ومصطلح السامية فيه جدل عند بعض المؤرخين تخص ماهيته وتوثيقه علميا.
*مجموعة اللغات الهندو أوربية ويتفرع منها؛ الهندو إيرانية وفيها الفارسية البلوشستانية الكردية الباشتونية السنسكريتيه.
*اللاتينية
وتتضمن الإيطالية الفرنسية الاسبانية والبرتغالية والرومانية
*اللغة الكلتية
التي كان ينطق بها شعوب الكلت Celts
وقد غلبتها الآن اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وإن بقيت ظواهر منها في لهجات إيرلندا ومنطقة البريتون Bretagne غربي فرنسا
*اليونانية
وتشمل اليونانية القديمة، واليونانية الحديثة التي قامت على أنقاض اللغة القديمة في القرون السابقة للميلاد ولغة اليونان في العصر الحديث.
*السلافية
وهي شعبتان صقلبية وبلطيقية، فمن الصقلبية الروسية، والتشيكية، والبولونية، والبلغارية الحديثة
ومن البلطيقية الليتوانية، والبروسية القديمة
*الجرمانية
منها الانكليزيه، الألمانية، الهولندية
السويدية ، الدنمارك، النرويج، والسكسونية
*اللغة الأرمنية والألبانية كذلك تُعد من مجموعة الهندو أوربية
*مجموعة اللغات الألتائية وتنسب إلى جبال ألتاي في قلب تركستان وهم من أصول واحدة، وتضم التركية، المنغولية، التونغوزية المنشوريون ، اليابانية، الكورية
*مجموعة اللغات الصينو تيبتيان وهي الصينية والتبتية
*مجموعة اللغات القوقازية ولهم أصول مختلفة، والقوقازية الشماليه الشرقية لغة داغستان وشيشان. أما القوقازية الشمالية الغربية وفيها الشركسية، اديغا، قبرطاي واباظة، وكذلك القوقازية الجنوبية وهي الجورجية
*مجموعة اللغات الحامية وتنقسم إلى لغات غير متشابهة كالقبطية والبربرية والحبشية
علم اللسانيات يُعدّ غربى النشأة، والعرب اللغويين لهم تآليف سابقة تحت مسمى فقه اللغة، أو علم اللغة، ومضمونها هو الدرس اللغوى، وتعدى أثره عند الباحثين منهم غير عرب، مما ألْهَمَ نواة علم اللسانيات.
أحدهم هو العالم السويسرى دى سوسير 1857 – 1913م، وهو عند الكثير أَب روحى لعلم اللسانيات. ومن أمثلة المصادر العربية في هذا الباب؛ كتاب الصاحبى فى فقه اللغة لابن فارس، وفقه اللغة وسر العربية للثعالبى. وهناك عديد غيرها تدور في فلك الظواهر والنظريات المتعلقة في النشاط اللساني.
والحديث عن اللغات، لا بُدّ من مندوحة ذكر اللغة العربية، والتي تُوصف أنها ذات وجهين؛ "عضويّ يتمثّل في طلاقة اللسان، ووضوح النُّطق عند المتكلّم، وآخر تواصليّ يتحقّق في البيان، والفهم بين المتكلّم والمُستمِع".
هكذا قال عنها الجاحظ. واللغة العربية أصيلة فريدة مقارنة بسائر لغات العالم، كما يقول عنها الامريكي أولمستد المتُوفّى عام 1903م "إن البدو العرب كانوا أول من تكلم اللغة السامية على حقيقتها"، وسانده المستعرب الانكليزي فيلبي المتُوفى عام 1960م بعدما قام بدراسات مستفيضه لاحوال جزيرة العرب فيقول:"أن اللغة العربية التي يعترف الخبراء في كونها أقرب من جميع اللغات السامية إلى اللغة الأم الأصلية التي اشتقت منها جميع هذه اللغات، هي على أغلب الإحتمالات أقدم لغة في العالم ما زالت حية حتى يومنا هذا".
واللغة العربية أيامنا ماثلة للعصرنة وما يُدخل في تحديها لمواكبة نمو المعاجم العربية، وهذا يلزم زخم تفعيل من أهلها للمحافظة على لغتهم وادراك مكتسباتها وتنافسيتها الوجودية، دونما عملقه أو خيلاء وتعاطي هروب للامام.
أحيانا تجد من العرب نُخب وغيرهم يتماهي مع الأخر في إعزاز لغته، ويميل لمفارقة ممارسته إلى اللغة الأجنبية حيث يأنس بمسميات غير عربية في متاجر ومحلات وشركات، حتى وصل الحال في افتتان برطانة في مؤتمرات وندوات ومناظرات واستضافات إعلامية وهم يمثلون بلادهم، أو يحتضنون على أرضهم فعالياتهم. ظاهرة تقليد فيها إلتباس في تبرير دواعي مجانبة اللغة العربية، رغم الفهم أن لغة الأم هي جزء من الإنتماء والهوية، وناموس نهوض الأمم يتم بلغاتها. وإعزاز اللغة هو يأتي من أهلها، ويكفي العربية أنها لغة القرآن، وهي تتربع أُمميا مع ستة لغات أُخرى، يُحتفى فيها سنويا.