بين التوكل والاتكالية

| زهير توفيقي

شاءت الصدفة أن ألتقي في إحدى زياراتي لأحد المراكز التجارية، بموظف بحريني شاب يعمل في وظيفة أمين صندوق، وبعد سؤالي العفوي عن مؤهلاته الدراسية، علمت بأنه يحمل شهادة البكالوريوس في المحاسبة، ومن وجهة نظري فإن وظيفته لا تكاد تتناسب مع مؤهلاته الجامعية. ولفت نظري أدبه وحرصه على أداء عمله بإخلاص؛ فسألته عن سبب اختياره لهذه الوظيفة على رغم شهادته الجامعية، فأجاب بابتسامة هادئة: “هذا ما تيسر لي الآن، والله كريم”، طالبا مني أن أدعو الله تعالى أن ييسر أمره ويحصل على وظيفة أفضل! ومن باب الفضول والحرص للتعرف أكثر على وضعه الوظيفي، بادرت بالسؤال عن إن كان قد سعى بتقديم أوراقه للحصول على وظيفة، فتفاجأت بأنه لم يفعل ذلك بعد أكثر من سنتين من تخرجه والالتحاق بهذه الوظيفة التي من المفترض أن تكون مؤقتة! وهنا كما يقولون مربط الفرس، فكيف يمكن لهذا الشاب الحصول على وظيفة أخرى أفضل دون أي جهد أو محاولة أو سعي يذكر؟ تأملت في جوابه كثيرًا، ليس في كلماته فحسب، بل في روحه التي جمعت بين الرضا والسعي؛ فهو لم يشتكِ من قلة الحظ، ولم يختبئ وراء شماعة الظروف، بل اختار أن يعمل ويجتهد بما هو متاح، منتظرًا من الله أن يفتح له بابًا أوسع ما دام يطرق الأبواب! لا شك في أن هذا الشاب يمثل نموذجًا للمتوكل على الله حقًا الذي يكتفي بالدعاء والتمني، ولكن تنقصه المبادرة والمحاولات الجادة وبذل جهود إضافية ومضنية لتحقيق النجاح في حياته العملية؛ فالتوكل لا يعني الجلوس وانتظار الرزق، بل السعي الجاد والاجتهاد في العمل، ثم ترك النتائج على الله. وقد قال تعالى: “فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ”. فالآية الكريمة توضح أن التوكل يأتي بعد العزم والعمل، لا قبلهما. أما الاتكالية، فهي أن نلقي باللوم على القدر، ونبرر فشلنا بعبارات مثل “ما في فرص” أو “الوظائف محتكرة” أو “الحظ ما يساعد”. وهي نظرة سلبية تجعل الإنسان يدور في حلقة العجز والتقاعس، في حين أن التوكل الإيجابي يدفع صاحبه للمحاولة والسعي حتى يحقق مراده. لقد خلق الله الأرض مزرعة للجدّ والاجتهاد، ووعد بالرزق لمن يسعى، لا لمن يتمنى فحسب، والنجاح لا يأتي صدفة، بل هو ثمرة تعب وصبر وإصرار، تبدأ من خطوة صغيرة قد لا ترضينا في البداية، لكنها تفتح لنا طريقًا نحو الأفضل. ما نحتاجه اليوم هو أن نغرس في شبابنا ثقافة العمل والمبادرة، لا ثقافة التذمر وانتظار الوظيفة المثالية؛ فكل عمل شريف هو خطوة نحو مستقبل أفضل، وكل جهد صادق هو عبادة يُثاب عليها الإنسان. والأمم التي تتقدم ليست تلك التي تكثر من الشكوى، بل التي يتقدم شبابها بخطوات ثابتة نحو البناء والتطوير. رسالتي إلى الشباب: لا تنتظروا الفرصة المثالية، بل اصنعوها بأنفسكم. ابدؤوا من حيث أنتم، واعملوا بما تقدرون عليه؛ فالله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وإن ضاقت بكم السبل يومًا فاجعلوا السعي عادة، والنية الصادقة زادًا، والتوكل على الله رفيقًا في الطريق. إن الفرق بين التوكل والاتكالية كالفرق بين من يزرع أرضه ويسقيها منتظرًا الثمر، ومن يجلس أمام أرضه القاحلة متمنيًا أن تثمر دون جهد. الأولى عبادة وعزيمة، والثانية وهم وكسل، وبينهما تُصنع قصص النجاح. دعواتي الصادقة بالتوفيق والنجاح لجميع شباب وشابات هذا الوطن الغالي؛ لأنهم بحق يمثلون ثروة بشرية كبيرة بما يحملونه من قدرات ومهارات وطاقات عالية وخلاقة في جميع المجالات العلمية والعملية.

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني