العيون الطبيعية في البحرين أفضل أماكن الترفيه أيام زمان
| د. منصور محمد سرحان
عرفت البحرين بجمال طبيعتها على امتداد تاريخها حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين؛ فقد توافرت فيها العيون الطبيعية التي انتشرت في مناطق عدة من البحرين، كما توافر فيها العديد من الأنهار والسواقي التي تغذيها العيون الطبيعية من خلال المياه المتدفقة منها. وغطت أشجار النخيل مساحات واسعة من أراضي البحرين التي كانت على شكل غابات متلاصقة بعضها ببعض فأصبحت وارفة الظلال؛ الأمر الذي أدى إلى إطلاق عبارة البحرين بلد المليون نخلة، وكانت تلك حقيقة وليست مغالاة. كما نمت فيها الكثير من الأشجار المثمرة وأشجار الزينة. وفي الشتاء وبعد هطول الأمطار الغزيرة التي تستمر أياما عدة دون انقطاع، وذلك في سنوات النصف الأول من القرن العشرين، تتحول أراضي البحرين والمناطق البرية والواحات إلى بساط أخضر؛ يغطيها العشب وتزينها بعض الزهور البرية فتزداد تلك المناطق روعة وجمالًا. وتستقبل البحرين من خلال طبيعتها الخلابة الطيور المهاجرة في الشتاء وبداية فصل الربيع، وبصورة خاصة الطيور المهاجرة من دول أوروبا نظرًا لبرودة جوها القارس، فتحل في أراضي البحرين حيث الظروف الطبيعية في البحرين ملائمة جدًا للطيور المهاجرة من دول أوروبا؛ فجو البحرين في الشتاء برودته معتدلة بالنسبة لدول أوروبا. وثقت بعض المصادر استقبال البحرين أعدادًا كبيرة من الطيور المهاجرة منها 60 نوعًا تتكاثر في البحرين. وشهدت منطقة “عوالي” في الرابع من ديسمبر من العام 1942م وجود زهاء 200 طائر غريب الشكل من الطيور المهاجرة. واندهش عمال “بابكو” من ضخامة حجم تلك الطيور التي لم تشاهد من قبل في سماء البحرين. وعثر بعض العمال على أحد تلك الطيور ميتًا؛ فتبين لهم أن الطائر من فصيلة (اللقلق). يرجع سبب توافر العديد من أسراب الطيور المهاجرة في النصف الأول من القرن العشرين إلى كون البحرين جزيرة غناء ذات طبيعة ساحرة، مليئة بالعيون الطبيعية وبالسواقي والغدران، وبغابات النخيل الكثيفة والأشجار المختلفة، وهذه هي الطبيعة المحببة لدى الطيور المهاجرة وغير المهاجرة. ومن بين أشهر العيون الطبيعية في البحرين “عين عذاري” التي كانت معلمًا سياحيًا يقصدها أبناء البحرين بكثافة، كما يقصدها زوار البحرين من أبناء الدول الخليجية المجاورة للاستمتاع بالسباحة فيها وبصورة خاصة في أيام الصيف؛ فقد تميزت مياهها بالصفاء والنقاء لدرجة يرى قاعها على غزارتها بوضوح تام. وعندما تشرق الشمس يطغى اللون الأزرق على العين ويرى الماء صافيًا كالزجاج الشفاف. استفاد المترددون على “عين عذاري” للسباحة من وجود مسجد على ضفتها الغربية، واستخدمت حافته للقفز في وسط العين. ويقابل المسجد من الجهة الغربية مبنى صغير يصعد عليه الشباب والرجال المهرة المتمرسون في السباحة والغطس للقفز منه على علو طابقين. كانت “عين عذاري” من بين أهم أماكن الترفيه في النصف الأول من القرن العشرين؛ فمياهها باردة في الصيف ودافئة في الشتاء، إلا أنها عامرة في الصيف أكثر حيث تزداد رحلات المواطنين إليها من مختلف مناطق البحرين. وعرفت “عين الرحى”، الواقعة في أقصى الشمال الشرقي لجزيرة سترة بشدة الإقبال عليها من مدن البحرين وقراها كالمنامة والمحرق والرفاع وعسكر وبقية المناطق الأخرى، حيث يقضي روادها يومهم يسبحون في مياهها الصافية العذبة في سعادة وهناء. كما كانوا يقيمون حفلات الأنس والطرب ويسرحون ويمرحون بين أشجار النخيل الباسقة التي تحيط بالعين، ويقضي بعضهم ليلتهم فيها فيصبحون على زقزقة الطيور وتغريدها؛ الأمر الذي يجعلهم يشعرون بالنشوة والبهجة والسعادة الغامرة. ومن بين أجمل العيون الطبيعية في البحرين وأكبرها “عين قصاري”، التي يبلغ طولها من الغرب إلى الشرق 150 مترًا، ويبلغ عرضها من الشمال إلى الجنوب 50 مترًا. كما يبلغ عمقها من الغرب مترين ونصف المتر، ثم ينقص شيئا فشيئا باتجاه الشرق إلى أن يصل إلى متر واحد. وشهدت العين إقبالًا منقطع النظير نظرًا لمساحتها الكبيرة، وموقعها وسط غابة من أشجار النخيل، حيث يضفي الصيف جمالًا أخاذًا عندما تبدأ أعذاق النخيل تحمل ألوانا مختلفة من الرطب قبل أن ينضج، منها اللون الأخضر، والأصفر، والأحمر، وتنعكس تلك الألوان على مياه سطح العين؛ الأمر الذي يرسم لوحة زاهية الألوان تدخل البهجة والسرور في النفوس، وهذا شجع العديد من أبناء البحرين على كثرة التردد على “عين قصاري”. ومن بين العيون الطبيعية التي عرفت بازدحام المترددين عليها صيفًا وشتاء “عين أبو زيدان”، التي كان موقعها خلف مركز شرطة الخميس حاليًا، فقد اشتهرت بقوة اندفاع مياهها من نبعها لدرجة أنه يصعب الوصول إليه. وكانت العين تعج بالذين يقدمون إليها من أجل الاستحمام وكذلك من أجل تقديم النذور. وقد بني معبد قديم على العين، وكانت تقام فيه بعض الطقوس الدينية قبل الإسلام، وأقيم عليها مسجد بعد دخول البحرين الإسلام، واستمر تقديم النذور للمسجد. وشهدت “عين أبو زيدان” تزايد عدد المترددين عليها بشكل مكثف لقضاء أوقات ممتعة من جهة وزيارة المسجد من جهة أخرى، واختلط الرجال بالنساء الأمر الذي أدى إلى أن تصدر بلدية المنامة إعلانا في 22 يوليو 1925م، تم فيه تحديد أيام للنساء وأيام للرجال للسباحة في العين وزيارة مسجد الرفيع. ومن بين العيون التي كانت لها خصوصيتها المشهورة في البحرين “عين الحنينية” التي تقع في وادي الحنينية بالرفاع؛ فقد اشتهرت بمائها العذب، وكان يضرب بها المثل من شدة عذوبة مائها الذي أصبح المفضل لدى جميع أبناء البحرين. وساهمت عذوبة ماء “عين الحنينية” في زيادة تردد المواطنين في مدينة المنامة على المقاهي الشعبية التي تستخدم ماء “عين الحنينية” في إعداد الشاي؛ حيث وجدوا به نكهة خاصة. وكان يتم نقل الماء من “عين الحنينية” إلى المنامة على ظهور البغال والحمير والجمال أيضًا. ونظرًا لأهمية هذه العين وشهرتها، فقد جاء ذكرها في مصدر تاريخي قديم يرجع إلى العام 1604م للرحالة البرتغالي بيدرو تنهسيرا عند وصفه البحرين بقوله: “توجد آبار في البحرين ولكن أغلبها ليس عذبًا ومع ذلك صالح للشرب، وأفضل هذه الآبار الحنينية”. وتم التطرق إلى “عين الحنينية” في “مجلة الوثيقة” في عددها 55 الصادر في العام 2009م، حيث دون النص التالي: “وفيها عين الحنينية، وماؤها عذب، وهي عميقة، وأوقفت هذه العين على جميع الناس، وكانت النساء يرتدنها ويسبحن فيها”.
باحث ومؤرخ بحريني