“كشكشة” في البحرين!
| د. جاسم المحاري
تحمل في طياتها تجارب المجتمعات وتاريخ الشعوب وقتما تُسهم في حفظ الثقافة المجتمعية أو الذاكرة الجمعية، وانعكاسًا للتّنوع الاجتماعي وتعبيرًا عن انتماء الأفراد إلى محيطهم المحلي اجتماعيًا، وتحديد بيئاتها أسريًا، وتبيان مشاركاتها ثقافيًا وسط أفق واسع عُدّ جزءًا أساسًا من الهوية الثقافية والاجتماعية، بما تعمل عليه من تأدية لأدوار مهمة تلعب - بأريحية وسلاسة - على تطوير أدوات التواصل وتنمية أساليب الفهم فترة تعاملها مع مجموعة الأفراد ذوي الخلفيات المتفاوتة ثقافيًا ولغويًا، فضلًا عن تعزيز العلاقة بينهم على سبيل الإسهام في خلق مجتمع متماسك، وبناء هوية جماعية تُرسّخ آليات الحوار البناء وأُطُر التفاعل الاجتماعي الإيجابي بأدواتها المحلية المألوفة من غنى تراثي وثقافي وتاريخي زاخر.
تلك هي اللهجة التي تُعبّر عن نظام لغوي مميز يبرز في جذور لغوية تتطور مستقلة شيئًا فشيئًا، بناء إمّا على عامل جغرافي أو واقع ثقافي أو حدث تاريخي، تتضح حينئذٍ من شكلها اللغوي الذي يستخدمه مجتمع ما بخصائص لغوية في النطق والتركيب والمفردة المستخدمة، وقتئذٍ تتأثر بالواقع الجغرافي والديموغرافي بأساليب تعبير مُتَشَكَلَة تحت تأثير مجموعة من العوامل الثقافية التي تلعب دورًا محوريًا في ذلك التشكيل، ممثلة لا محصورة في العادات والتقاليد والممارسات اليومية وفق الطريقة التي يتواصل بها الناس، ناهيك عن الأحداث التاريخية والتحولات الاجتماعية التي تُشكّل لهجات متفردة وتباينا تعبيريا في سياقات مختلفة، بحروف شفاهية وتغييرات فموية ودلالات تعبيرية، كي تبقى رمزًا للفخر المحلي ولو بمحدودية انحرافها عن اللغة الأم.
نافلة:
بطبيعة الحال، تعكس اللهجات ثراءً متنوعًا في المجتمعات العربية في صورة تعبيرات لغوية مختلفة وأنماط حياتية متنوعة، بعدما مرّت اللغة الفصيحة منها بأدوار كثيرة وظروف متنوعة تغيرت أصواتها ومفرداتها عبر العصور المتعاقبة، حتى تحولت إلى لهجات تتصف كل منها بصفات ومميزات معينة وجذور وظواهر مشتركة بين أصحاب لهجات القبائل العربية الأصيلة، كظاهرة “العنعنة” عند قبيلة تميم، و “الشنشنة” عند بعض أهل اليمن، و “الغمغمة” في قبيلة قضاعة، و “الطمطمانية” بين قبائل حِمْير، و “الكسكسة” عند بني بكر، وكذلك “الكشكشة” في إبدال الشين من كاف الخطاب للمؤنث كـ (عليشِ ومنشِ وبشِ في عليكِ ومنكِ وبكِ في موضع التأنيث) عند قبائل عبدالقيس وبني أسد وربيعة قديمًا، ومساحات واسعة من بلاد العرب حديثًا، في قرى البحرين وحضارمة اليمن وجنوب العراق وشرق السعودية مثالًا، حتى عدّها اللغويون ظاهرة صوتية من “مستبشع” اللغات المشهورة وموروثًا أصيلًا من “مستنبع” الألفاظ المعروفة.
* كاتب وأكاديمي بحريني