روح القانون

قيلولة في المدارس!

| زهير توفيقي

منذ‭ ‬سنوات‭ ‬والعالم‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬التجربة‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬باعتبارها‭ ‬من‭ ‬الأكثر‭ ‬تفوقًا،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬الانضباط‭ ‬والجدية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بفضل‭ ‬الجرأة‭ ‬في‭ ‬إدخال‭ ‬أفكار‭ ‬جديدة‭. ‬

وآخر‭ ‬ما‭ ‬قرأت‭ ‬عنه‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المدارس‭ ‬الصينية‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬تخصيص‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬خلال‭ ‬اليوم‭ ‬الدراسي‭ ‬ليأخذ‭ ‬الطلاب‭ ‬قيلولة،‭ ‬ثم‭ ‬يعودون‭ ‬بعدها‭ ‬لمواصلة‭ ‬الدراسة‭ ‬بتركيز‭ ‬ونشاط‭ ‬أكبر‭. ‬وقد‭ ‬تبدو‭ ‬الفكرة‭ ‬غريبة‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬لكن‭ ‬المتخصصين‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬يؤكدون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاستراحة‭ ‬القصيرة‭ ‬تمنح‭ ‬الدماغ‭ ‬طاقة‭ ‬متجددة‭ ‬وتزيد‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والإبداع،‭ ‬عوضًا‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬الإرهاق‭ ‬الذهني‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬الطلاب‭ ‬مع‭ ‬طول‭ ‬ساعات‭ ‬الدراسة‭. ‬ولو‭ ‬تأملنا‭ ‬الأمر‭ ‬قليلا‭ ‬لوجدنا‭ ‬أن‭ ‬أطفالنا‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬–‭ ‬يبدؤون‭ ‬يومهم‭ ‬مبكرًا‭ ‬جدًا،‭ ‬ثم‭ ‬يمضون‭ ‬ساعات‭ ‬متصلة‭ ‬بين‭ ‬الفصول‭ ‬الدراسية‭ ‬والواجبات‭ ‬والأنشطة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يترك‭ ‬أثرا‭ ‬على‭ ‬تركيزهم‭ ‬وحيويتهم؛‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬إدخال‭ ‬تجربة‭ ‬“القيلولة‭ ‬المدرسية”‭ ‬لا‭ ‬يعد‭ ‬ترفًا،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬وسيلة‭ ‬عملية‭ ‬لتعزيز‭ ‬جودة‭ ‬التعليم،‭ ‬وخلق‭ ‬جيل‭ ‬أكثر‭ ‬إنتاجًا‭ ‬وإبداعًا‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الراحة‭ ‬القصيرة‭ ‬ليست‭ ‬خروجًا‭ ‬عن‭ ‬الجدية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تعد‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الانضباط‭ ‬الذكي‭. ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬تمنح‭ ‬موظفيها‭ ‬دقائق‭ ‬للنوم‭ ‬أو‭ ‬الاسترخاء‭ ‬خلال‭ ‬النهار،‭ ‬بعدما‭ ‬ثبت‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يرفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الفوائد‭ ‬تتحقق‭ ‬عند‭ ‬الكبار،‭ ‬فإن‭ ‬أثرها‭ ‬عند‭ ‬الطلاب‭ ‬سيكون‭ ‬أكبر؛‭ ‬لأنهم‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التعلم‭ ‬واكتساب‭ ‬المعارف‭.‬

واللافت‭ ‬للنظر‭ ‬أن‭ ‬القيلولة‭ ‬ليست‭ ‬عادة‭ ‬جديدة‭ ‬علينا‭ ‬نحن‭ ‬العرب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تراثنا‭ ‬الإسلامي‭ ‬والعربي،‭ ‬حيث‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬الأحاديث‭ ‬النبوية‭ ‬كسنة‭ ‬مهجورة‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة‭ ‬قد‭ ‬اكتشفت‭ ‬اليوم‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬العادة،‭ ‬فما‭ ‬أحوجنا‭ ‬نحن‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬إحيائها‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬عصرية‭ ‬ضمن‭ ‬بيئتنا‭ ‬التعليمية‭.

وليس‭ ‬غريبًا‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬دولًا‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬وإسبانيا‭ ‬قد‭ ‬سبقت‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬فترات‭ ‬استراحة‭ ‬منظمة‭ ‬خلال‭ ‬اليوم‭ ‬الدراسي‭ ‬أو‭ ‬العملي؛‭ ‬إدراكًا‭ ‬لقيمتها‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الأداء‭ ‬الذهني‭ ‬والجسدي‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

إننا‭ ‬نطمح‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬تعليمي‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬المعرفة‭ ‬والمهارات‭ ‬والصحة‭ ‬النفسية‭ ‬والجسدية‭ ‬للطالب‭. ‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬لديها‭ ‬من‭ ‬المرونة‭ ‬والانفتاح‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬تدرس‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار،‭ ‬لتكون‭ ‬مدارسنا‭ ‬بيئة‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬للإبداع‭ ‬والتفوق‭. ‬ولعل‭ ‬البداية‭ ‬العملية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بتجربة‭ ‬تجريبية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المدارس،‭ ‬تُخصص‭ ‬فيها‭ ‬دقائق‭ ‬محدودة‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬اليوم‭ ‬للراحة‭ ‬أو‭ ‬القيلولة‭ ‬القصيرة،‭ ‬ثم‭ ‬تقاس‭ ‬النتائج‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬متابعة‭ ‬الأداء‭ ‬الدراسي‭ ‬ومستوى‭ ‬التركيز،‭ ‬فإذا‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬نجاحها‭ ‬يمكن‭ ‬تعميمها‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭. ‬

الخلاصة‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نعطي‭ ‬الفكرة‭ ‬فرصة‭ ‬من‭ ‬الاهتمام،‭ ‬ونعتبرها‭ ‬مجرد‭ ‬أفكار‭ ‬جديدة،‭ ‬قد‭ ‬تمنح‭ ‬أبناءنا‭ ‬عمرًا‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬العطاء‭ ‬الفكري‭ ‬والإبداعي؟‭ ‬وتذكروا‭ ‬جيدا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬ضير‭ ‬في‭ ‬استنساخ‭ ‬تجارب‭ ‬الآخرين،‭ ‬إذ‭ ‬يعد‭ ‬اليابانيين‭ ‬أكثر‭ ‬الشعوب‭ ‬إيمانا‭ ‬بالاستنساخ،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬سر‭ ‬نجاحهم‭! ‬ما‭ ‬رأيكم؟

 

*كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني