الغلاء وتآكل الطبقة الوسطى: قراءة قانونية اقتصادية في زمن التضخم

| رجب قاسم

لا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬يعيش‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المراحل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬اضطرابًا‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬تحوّل‭ ‬الغلاء‭ ‬من‭ ‬ظاهرة‭ ‬مؤقتة‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬متجذر‭ ‬يطرق‭ ‬أبواب‭ ‬كل‭ ‬بيت،‭ ‬ويعيد‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬المجتمعات‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬السابقة‭ ‬قد‭ ‬كشفت‭ ‬هشاشة‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬جوانبه،‭ ‬فإن‭ ‬الأزمة‭ ‬الراهنة‭ ‬تُنذر‭ ‬بتآكل‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬صمام‭ ‬أمان‭ ‬المجتمعات‭ ‬واستقرارها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬شريحة‭ ‬اقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬—‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬—‭ ‬الركيزة‭ ‬التي‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الفقر‭ ‬والثراء،‭ ‬وتحمل‭ ‬على‭ ‬عاتقها‭ ‬عبء‭ ‬التنمية‭ ‬والإنتاج‭ ‬والاستهلاك‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭. ‬إنها‭ ‬تمثل‭ ‬الطبقة‭ ‬التي‭ ‬تشتري‭ ‬وتنتج‭ ‬وتدفع‭ ‬الضرائب،‭ ‬وتحافظ‭ ‬على‭ ‬دورة‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬موجات‭ ‬الغلاء‭ ‬والتضخم،‭ ‬بدأنا‭ ‬نشهد‭ ‬انزلاقًا‭ ‬تدريجيًا‭ ‬لتلك‭ ‬الطبقة‭ ‬نحو‭ ‬الأسفل،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬خطرًا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬أزمة‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬مالية‭ ‬كبرى‭.‬

بين‭ ‬القانون‭ ‬والسوق

إن‭ ‬القانون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بتنظيم‭ ‬السوق،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬لحماية‭ ‬المتعاملين‭ ‬فيه،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬المستهلك‭ ‬فالدولة‭ ‬في‭ ‬فلسفتها‭ ‬التشريعية‭ ‬تتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬مزدوجة‭: ‬ضبط‭ ‬الأسعار‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وحماية‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطن‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬فإن‭ ‬سياسات‭ ‬دعم‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬وتحديد‭ ‬هوامش‭ ‬الربح‭ ‬ومراقبة‭ ‬الأسواق‭ ‬ليست‭ ‬إجراءات‭ ‬تكميلية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬صميم‭ ‬العدالة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تُترجم‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬ملموس‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الغلاء‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الرقابة‭ ‬الفعالة‭ ‬والضبط‭ ‬القانوني‭ ‬الحاسم‭ ‬للممارسات‭ ‬الاحتكارية‭ ‬التي‭ ‬تُغذي‭ ‬الأسعار‭ ‬بلا‭ ‬مبرر‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬تجارب‭ ‬كثيرة‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬الحرة‭ ‬دون‭ ‬رقابة‭ ‬قانونية‭ ‬تتحول‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬فوضى‭ ‬تُغني‭ ‬القليل‭ ‬وتُفقر‭ ‬الكثير‭.‬

وفي‭ ‬مصر،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬انعكست‭ ‬موجات‭ ‬الغلاء‭ ‬المتلاحقة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تفقد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬مجاراة‭ ‬نفقات‭ ‬المعيشة‭ ‬الأساسية،‭ ‬فيما‭ ‬يظل‭ ‬القانون‭ ‬عاجزًا‭ ‬عن‭ ‬كبح‭ ‬جشع‭ ‬بعض‭ ‬المحتكرين‭ ‬أو‭ ‬المتلاعبين‭ ‬بالسلع‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬—‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬البحرين‭ ‬والسعودية‭ ‬وسلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬—‭ ‬اتجاهًا‭ ‬واضحًا‭ ‬نحو‭ ‬موازنة‭ ‬السوق‭ ‬بالرقابة‭ ‬الذكية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تدخل‭ ‬الدولة‭ ‬عند‭ ‬اللزوم‭ ‬لضبط‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬المباشر‭ ‬للمواطنين‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬تشريعي‭ ‬واقتصادي‭ ‬متقدم‭.‬

التجربة‭ ‬الخليجية

تُعد‭ ‬البحرين‭ ‬نموذجًا‭ ‬مميزًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬إذ‭ ‬تبنت‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬سياسة‭ ‬متدرجة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الغلاء‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬الدعم‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬إلغائه،‭ ‬وتفعيل‭ ‬أدوات‭ ‬الرقابة‭ ‬التجارية‭ ‬بشكل‭ ‬متوازن‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬السوق‭ ‬ويمنع‭ ‬الانفلات‭ ‬السعري‭.‬

وفي‭ ‬السعودية،‭ ‬أطلقت‭ ‬الحكومة‭ ‬برامج‭ ‬مثل‭ ‬“حساب‭ ‬المواطن”‭ ‬لتعويض‭ ‬الأسر‭ ‬المتضررة‭ ‬من‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إدراكًا‭ ‬منها‭ ‬بأن‭ ‬العدالة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬فقط‭ ‬حرية‭ ‬السوق،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬ضمان‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬لمواطنيها‭.‬

أما‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان،‭ ‬فقد‭ ‬عززت‭ ‬مؤخرًا‭ ‬دور‭ ‬جهاز‭ ‬حماية‭ ‬المستهلك‭ ‬ومنحته‭ ‬صلاحيات‭ ‬قانونية‭ ‬أوسع‭ ‬لمكافحة‭ ‬الغش‭ ‬التجاري‭ ‬والتلاعب‭ ‬بالأسعار،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬فلسفة‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬تربط‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بالرقابة‭ ‬القانونية‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬الخليجية‭ ‬هو‭ ‬إدراكها‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬اقتصادًا‭ ‬بلا‭ ‬ضوابط،‭ ‬وأن‭ ‬السوق‭ ‬ليس‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬القانون،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬خاضع‭ ‬له‭ ‬ومكمل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭.‬

الدروس‭ ‬الأوروبية

أما‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬حيث‭ ‬يواجه‭ ‬المواطن‭ ‬كذلك‭ ‬موجات‭ ‬تضخم‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬بعد‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬والحرب‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬فقد‭ ‬لجأت‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬قانونية‭ ‬واقتصادية‭ ‬متوازنة‭ ‬مثل‭ ‬تحديد‭ ‬سقف‭ ‬أرباح‭ ‬شركات‭ ‬الطاقة،‭ ‬وفرض‭ ‬ضرائب‭ ‬استثنائية‭ ‬على‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬حققت‭ ‬أرباحًا‭ ‬غير‭ ‬متوقعة،‭ ‬وتقديم‭ ‬دعم‭ ‬مالي‭ ‬مباشر‭ ‬للأسر‭ ‬المتضررة‭.‬

وفي‭ ‬فرنسا،‭ ‬سنّ‭ ‬المشرّع‭ ‬قانونًا‭ ‬خاصًا‭ ‬لمراقبة‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬الزراعية‭ ‬والغذائية،‭ ‬ضمانًا‭ ‬لعدم‭ ‬تحميل‭ ‬المواطن‭ ‬النهائي‭ ‬أعباء‭ ‬الارتفاع‭ ‬المفرط‭.‬

أما‭ ‬ألمانيا،‭ ‬فقد‭ ‬اتخذت‭ ‬خطوة‭ ‬جريئة‭ ‬بربط‭ ‬زيادات‭ ‬الأجور‭ ‬بالتضخم‭ ‬سنويًا،‭ ‬حمايةً‭ ‬للطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬من‭ ‬التآكل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستمر‭.‬

هذه‭ ‬التجارب‭ ‬الأوروبية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬ترك‭ ‬السوق‭ ‬لنفسه،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬كمنظّم‭ ‬عادل‭ ‬وحارس‭ ‬لتوازن‭ ‬المجتمع‭ ‬الاقتصادي‭.‬

رؤية‭ ‬قانونية‭ ‬

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬تآكل‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬خطر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬الركود‭ ‬أو‭ ‬التضخم‭ ‬نفسه،‭ ‬لأنه‭ ‬يهدد‭ ‬صلب‭ ‬المجتمع‭ ‬واستقراره‭ ‬فإذا‭ ‬ضعفت‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة،‭ ‬سقط‭ ‬التوازن،‭ ‬وانقسم‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬قلة‭ ‬تملك‭ ‬الكثير‭ ‬وكثرة‭ ‬تملك‭ ‬القليل،‭ ‬وحينها‭ ‬تتصدع‭ ‬القيم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يختل‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬التشريع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحرك‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬لمواكبة‭ ‬الواقع‭ ‬المتغير،‭ ‬من‭ ‬خلال‭:‬

‭- ‬فرض‭ ‬رقابة‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬والاحتكار‭.‬

‭- ‬دعم‭ ‬الأجور‭ ‬وربطها‭ ‬بمعدلات‭ ‬التضخم‭.‬

‭- ‬تشجيع‭ ‬الاستثمار‭ ‬الإنتاجي‭ ‬لا‭ ‬الريعي‭.‬

وتوسيع‭ ‬مظلة‭ ‬الحماية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لتشمل‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬قبل‭ ‬الفقيرة‭.‬

فالعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ليست‭ ‬شعارًا‭ ‬يُرفع،‭ ‬بل‭ ‬معادلة‭ ‬قانونية‭ ‬واقتصادية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الغلاء‭ ‬قد‭ ‬فرض‭ ‬واقعًا‭ ‬صعبًا،‭ ‬فإن‭ ‬الدولة‭ ‬العادلة‭ ‬بقوانينها‭ ‬الرصينة‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تُعيد‭ ‬التوازن،‭ ‬وتحمي‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬من‭ ‬الذوبان‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬التضخم‭.‬

إنها‭ ‬معركة‭ ‬الوعي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬معركة‭ ‬الأسعار،‭ ‬ومعركة‭ ‬القانون‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬معركة‭ ‬السوق‭. ‬

 

‭* ‬مستشار‭ ‬مصري‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬عُمان