البحرين وماليزيا تبنيان اقتصاد الثقة الملكية

| عبدالله بوقس

‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬زيارة‭ ‬جلالة‭ ‬ملك‭ ‬ماليزيا‭ ‬السلطان‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬إسكندر‭ ‬إلى‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬بدعوة‭ ‬من‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬حدثا‭ ‬بروتوكوليا‭ ‬تقليديا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬منعطفا‭ ‬نوعيا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الخليجية–الآسيوية،‭ ‬حيث‭ ‬برزت‭ ‬فكرة‭ ‬بناء‭ ‬شراكة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬الملكية‭ ‬المتبادلة‭ ‬كمحرّك‭ ‬للتعاون‭ ‬الاقتصادي‭. ‬ففي‭ ‬قصر‭ ‬الصخير،‭ ‬تجاوز‭ ‬الحوار‭ ‬حدود‭ ‬المجاملة‭ ‬الملكية‭ ‬نحو‭ ‬بحث‭ ‬آلياتٍ‭ ‬عملية‭ ‬للتكامل‭ ‬التجاري‭ ‬والاستثماري،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬انتقال‭ ‬العلاقة‭ ‬من‭ ‬الرمزية‭ ‬الملكية‭ ‬إلى‭ ‬الشراكة‭ ‬الإنتاجية‭.‬

تكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬أهميتها‭ ‬من‭ ‬تراكم‭ ‬خطوات‭ ‬سابقة‭ ‬مهّدت‭ ‬الطريق‭ ‬لها؛‭ ‬فقد‭ ‬شارك‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬في‭ ‬تنصيب‭ ‬السلطان‭ ‬إبراهيم‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬تلتها‭ ‬زيارة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الماليزي‭ ‬أنور‭ ‬إبراهيم‭ ‬إلى‭ ‬المنامة،‭ ‬ثم‭ ‬زيارة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬إلى‭ ‬كوالالمبور‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2025‭. ‬وقد‭ ‬أثمر‭ ‬هذا‭ ‬التقارب‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة،‭ ‬إذ‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬نحو‭ ‬260‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬أميركي،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬تعاون‭ ‬تشمل‭ ‬التمويل‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وصناعة‭ ‬الحلال،‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الرقمي،‭ ‬والسياحة‭ ‬التعليمية‭.‬

ويبرز‭ ‬هنا‭ ‬التكامل‭ ‬الواضح‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬وماليزيا‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التمويل‭ ‬الإسلامي‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬المالية؛‭ ‬فماليزيا‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المراكز‭ ‬العالمية‭ ‬تطورًا‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬هذه‭ ‬الصناعة،‭ ‬فيما‭ ‬تمثل‭ ‬البحرين‭ ‬مختبرها‭ ‬المالي‭ ‬الخليجي‭. ‬وإذا‭ ‬نجح‭ ‬البلدان‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬منصات‭ ‬استثمارية‭ ‬وصكوك‭ ‬مشتركة،‭ ‬فسينشأ‭ ‬جسر‭ ‬مالي‭ ‬جديد‭ ‬يربط‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الخليجية‭ ‬بفرص‭ ‬النمو‭ ‬الآسيوية‭ ‬والإفريقية،‭ ‬معززًا‭ ‬الثقة‭ ‬والدور‭ ‬البحريني‭ ‬الوسيط‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬التمويل‭ ‬الإسلامي‭ ‬العالمي‭.‬

ويتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬حدود‭ ‬المال‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المادية،‭ ‬إذ‭ ‬أعلنت‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬إير‭ ‬آسيا‮»‬‭ ‬الماليزية‭ ‬عن‭ ‬إنشاء‭ ‬مقر‭ ‬إقليمي‭ ‬في‭ ‬المنامة،‭ ‬في‭ ‬خطوةٍ‭ ‬تتجاوز‭ ‬التوسعة‭ ‬التجارية‭ ‬لتضع‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬خريطة‭ ‬النقل‭ ‬الجوي‭ ‬بين‭ ‬الخليج‭ ‬وآسيان‭ ‬بأسعار‭ ‬تنافسية‭. ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬يعزز‭ ‬السياحة،‭ ‬ويخلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل،‭ ‬ويربط‭ ‬الجامعات‭ ‬والأسواق،‭ ‬محولا‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬مركزٍ‭ ‬لوجستي‭ ‬حيوي‭ ‬لتجارة‭ ‬منتجات‭ ‬الحلال‭ ‬والبضائع‭ ‬الآسيوية‭ ‬نحو‭ ‬الخليج‭ ‬وإفريقيا‭.‬

أما‭ ‬البعد‭ ‬الأوسع‭ ‬فيتجلّى‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الزيارة‭ ‬ضمن‭ ‬جولة‭ ‬جلالة‭ ‬السلطان‭ ‬إبراهيم‭ ‬التي‭ ‬شملت‭ ‬السعودية،‭ ‬حيث‭ ‬يتبلور‭ ‬بين‭ ‬الرياض‭ ‬والمنامة‭ ‬وكوالالمبور‭ ‬محور‭ ‬تعاون‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والتعليم‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الرقمي‭. ‬هذا‭ ‬المحور‭ ‬غير‭ ‬المعلن‭ ‬رسميا‭ ‬يجسّد‭ ‬نموذجا‭ ‬عمليا‭ ‬لتكامل‭ ‬خليجي–آسياني‭ ‬متوازن،‭ ‬تتلاقى‭ ‬فيه‭ ‬حاجة‭ ‬ماليزيا‭ ‬إلى‭ ‬منفذ‭ ‬مستقر‭ ‬مع‭ ‬حاجة‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬الخبرة‭ ‬الآسيوية‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتحديث‭ ‬الإدارة‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬تؤكد‭ ‬الزيارة‭ ‬الملكية‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬وماليزيا‭ ‬لا‭ ‬تسعيان‭ ‬إلى‭ ‬اتفاقياتٍ‭ ‬ظرفية،‭ ‬بل‭ ‬تؤسسان‭ ‬لنموذجٍ‭ ‬متدرج‭ ‬من‭ ‬‮«‬اقتصاد‭ ‬الثقة‮»‬‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الصدقية‭ ‬والالتزام‭ ‬والشفافية‭. ‬فكل‭ ‬مشروعٍ‭ ‬مشترك،‭ ‬من‭ ‬التمويل‭ ‬الإسلامي‭ ‬إلى‭ ‬الطيران،‭ ‬هو‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬جسرٍ‭ ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬المنامة‭ ‬إلى‭ ‬كوالالمبور،‭ ‬تُبنى‭ ‬عليه‭ ‬الشراكة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتثمر‭ ‬تقاربا‭ ‬حضاريا‭ ‬آسيويا‭.‬

 

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور