درس القيم البحرينية الأصيلة والنبيلة

| حسن المصطفى

في‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬أنقى‭ ‬لحظات‭ ‬الإيمان‭ ‬والتسليم‭ ‬المطلق‭ ‬والعفو‭ ‬عند‭ ‬المقدرة،‭ ‬وقفت‭ ‬عائلة‭ ‬الطفل‭ ‬البحريني‭ ‬حسن‭ ‬علي‭ ‬المحاري‭ ‬أمام‭ ‬فاجعتها‭ ‬الكبيرة،‭ ‬ليعلن‭ ‬الأبُ‭ ‬عبر‭ ‬بيان‭ ‬سيبقى‭ ‬علامة‭ ‬في‭ ‬الضمير‭ ‬المجتمعي،‭ ‬أنه‭ ‬وجد‭ ‬“العفو‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬هو‭ ‬قرار‭ ‬إيمان‭ ‬لا‭ ‬قرار‭ ‬عاطفة”‭ ‬مختصرًا‭ ‬بهذه‭ ‬العبارة‭ ‬فلسفة‭ ‬الصبر،‭ ‬من‭ ‬تنظير‭ ‬كلامي‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬عملي،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬“المأساة”‭ ‬إلى‭ ‬عبادة‭ ‬خالصة،‭ ‬رغم‭ ‬شدة‭ ‬الألم‭ ‬وهول‭ ‬الفقد‭.‬

قرار‭ ‬العائلة‭ ‬المكلومة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تنازلًا‭ ‬عن‭ ‬الحق،‭ ‬بل‭ ‬تجسيدًا‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ‭ ‬“العدالة‭ ‬الروحية”‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بسمو‭ ‬النفس‭ ‬وتعاليها‭ ‬عن‭ ‬الانتقام؛‭ ‬إذ‭ ‬قال‭ ‬البيانُ‭ ‬بوضوح‭ ‬“لا‭ ‬أنكر‭ ‬حقي،‭ ‬ولا‭ ‬أبرئ‭ ‬الخطأ،‭ ‬ولكنني‭ ‬أختار‭ ‬أن‭ ‬أترك‭ ‬الحكم‭ ‬لله‭ ‬وأحتسب‭ ‬الأجر‭ ‬عنده”‭. ‬إنه‭ ‬وعي‭ ‬بأن‭ ‬القصاص‭ ‬لا‭ ‬يعيد‭ ‬ابتسامة‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬تحنُ‭ ‬له‭ ‬والدته‭ ‬ويشتاق‭ ‬له‭ ‬أبوه،‭ ‬وأن‭ ‬الرحمة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬مجتمعًا‭ ‬أصفى‭ ‬قلبًا‭ ‬وأقرب‭ ‬إلى‭ ‬روح‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬السامية،‭ ‬وتمثلات‭ ‬الشريعة‭ ‬المحمدية‭ ‬السمحاء‭.‬

تفاعل‭ ‬البحرينيون‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬بإجلالٍ‭ ‬كبير‭. ‬لم‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬كحادثة‭ ‬عابرة‭ ‬كأية‭ ‬واقعة‭ ‬تحدث‭ ‬بين‭ ‬فينة‭ ‬وأخرى،‭ ‬بل‭ ‬كدرس‭ ‬أخلاقي‭ ‬يُعيد‭ ‬تعريف‭ ‬القوة‭ ‬بأنها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الصفح‭ ‬لا‭ ‬الانتقام،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التجاوز‭ ‬عوض‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬ظلمة‭ ‬الفقد‭. ‬عتمةٌ‭ ‬خرج‭ ‬منها‭ ‬الأبوان‭ ‬عبر‭ ‬نور‭ ‬الرحمة‭ ‬والدفع‭ ‬بالتي‭ ‬هي‭ ‬أحسن،‭ ‬وهما‭ ‬بذلك‭ ‬يذكران‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬بقيمٍ‭ ‬عليا‭ ‬توارثتها‭ ‬الأجيال‭: ‬التسامح‭ ‬والتعاضد‭.. ‬ولذا،‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتمسك‭ ‬بهذه‭ ‬الأخلاقيات‭ ‬ويرسخها،‭ ‬فهي‭ ‬الملاذ‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬المآزق‭ ‬والمشكلات‭ ‬التي‭ ‬تواجهه‭. ‬العائلة‭ ‬الكريمة‭ ‬في‭ ‬بيانها‭ ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬بالعفو؛‭ ‬بل‭ ‬دعت‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬مؤسسي‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬الأب‭ ‬“أناشد‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬تشريع‭ ‬يُلزم‭ ‬المدارس‭ ‬ورياض‭ ‬الأطفال‭ ‬بالتواصل‭ ‬مع‭ ‬أولياء‭ ‬الأمور‭ ‬عند‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬طفل”،‭ ‬داعيًا‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬“كل‭ ‬من‭ ‬يتصدى‭ ‬للمسؤولية‭ ‬أن‭ ‬يتحملها‭ ‬بصدق‭ ‬وأمانة”،‭ ‬فـ‭ ‬“الأرواح‭ ‬ليست‭ ‬مجالًا‭ ‬للاجتهاد‭ ‬أو‭ ‬الإهمال”،‭ ‬مطالبًا‭ ‬“من‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬للأمانة‭ ‬بقدرها،‭ ‬فليتنحَّ‭ ‬عنها”‭. ‬

موقفٌ‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحادثة‭ ‬الأليمة‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬درسًا‭ ‬في‭ ‬المنهجية‭ ‬والضمير،‭ ‬لعلَ‭ ‬من‭ ‬عبثَ‭ ‬بهم‭ ‬الزمن،‭ ‬أن‭ ‬يعوا‭ ‬ويتبصروا،‭ ‬ليزدادوا‭ ‬حكمة‭ ‬وتساميا‭ ‬على‭ ‬الصغائر‭ ‬والأحقاد‭.‬