الفن الهابط والفن الصاعد!

| أسامة مهران

أكره‭ ‬المزايدة‭ ‬على‭ ‬ولاء،‭ ‬أو‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬أداء،‭ ‬يُقال‭ ‬الزائد‭ ‬كما‭ ‬الناقص؛‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬أو‭ ‬يستقيم‭ ‬أن‭ ‬نضع‭ ‬القارئ‭ ‬أمام‭ ‬رأي‭ ‬ورأي‭ ‬آخر‭ ‬“على‭ ‬الفاضي”،‭ ‬أن‭ ‬ننفخ‭ ‬في‭ ‬الرماد‭ ‬حتى‭ ‬تشتعل‭ ‬الحرائق‭ ‬وتضيع‭ ‬الحقائق،‭ ‬ويغرق‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬جهالة‭ ‬نمقتها‭ ‬وضحالة‭ ‬نرصدها،‭ ‬ووفاق‭ ‬نتمناه‭ ‬سائدًا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬قضايانا‭ ‬الفكرية‭ ‬والبحثية‭ ‬والإعلامية‭. ‬لكن‭ ‬لماذا‭ ‬هذه‭ ‬المقدمة‭ ‬الطويلة،‭ ‬ولماذا‭ ‬هذا‭ ‬الشرح‭ ‬الذي‭ ‬أتمناه‭ ‬غير‭ ‬مخلٍ‭ ‬بالمعنى؟‭ ‬السبب‭ ‬بسيط‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬عندما‭ ‬أقرأ‭ ‬لكاتب‭ ‬أرى‭ ‬فيه‭ ‬قدرة‭ ‬“ما”‭ ‬على‭ ‬التأثير،‭ ‬فإن‭ ‬المسؤولية‭ ‬تحتم‭ ‬عليّ‭ ‬التعليق‭ ‬ولو‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬طرق‭ ‬الحديد‭ ‬وهو‭ ‬ساخن‭.‬

قبل‭ ‬أيام‭ ‬قرأت‭ ‬للكاتب‭ ‬والأديب‭ ‬كمال‭ ‬الذيب‭ ‬مقالا‭ ‬على‭ ‬صدر‭ ‬صفحة‭ ‬الرأي‭ ‬بـ‭ ‬“البلاد‭ ‬الغراء”‭ ‬حول‭ ‬موجة‭ ‬الانحطاط‭ ‬الفني،‭ ‬وعلى‭ ‬قدر‭ ‬انبهاري‭ ‬بالحقائق‭ ‬والسرديات‭ ‬التي‭ ‬رصدها‭ ‬الكاتب‭ ‬الكبير‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬اختطفني‭ ‬قلمه‭ ‬إلى‭ ‬التحفيز‭ ‬على‭ ‬نكء‭ ‬الجرح‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يندمل،‭ ‬وإلى‭ ‬صفع‭ ‬الهدوء‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تشتعل‭ ‬فيه‭ ‬نيران‭ ‬الغير،‭ ‬قلت‭ ‬للصديق‭ ‬العزيز‭: ‬مقالك‭ ‬حول‭ ‬الانحطاط‭ ‬الفني‭ ‬المرتبط‭ ‬بانحطاط‭ ‬المجتمع‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تحتاج‭ ‬فيه‭ ‬الأمة‭ ‬لتيار‭ ‬فكري‭ ‬يتبنى‭ ‬قضية‭ ‬الذوق‭ ‬العام‭ ‬والأخلاق‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬على‭ ‬المحك،‭ ‬تيار‭ ‬يتولى‭ ‬مسؤولية‭ ‬التغيير‭ ‬لا‭ ‬سطحية‭ ‬التناول،‭ ‬مقالك‭ ‬على‭ ‬عمقه‭ ‬الآثر،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬المجموعات‭ ‬النادرة‭ ‬المحترمة‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬تزعق‭ ‬وتصفع‭ ‬وتحرك‭ ‬الماء‭ ‬الراكد‭ ‬على‭ ‬الساحات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية‭ ‬والفكرية،‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬تؤدي‭ ‬وتقاوم‭ ‬رياح‭ ‬الكهنوت‭ ‬الجماهيري‭ ‬الوهمي،‭ ‬لابد‭ ‬رغم‭ ‬مقالك‭ ‬البديع‭ ‬من‭ ‬تشجيع‭ ‬تلك‭ ‬المجموعات‭ ‬الفنية‭ ‬الشبابية‭ ‬البازغة‭.

أفرادا‭ ‬وفرقا‭ ‬وبين‭ ‬بين،‭ ‬لقد‭ ‬أشرت‭ ‬إلى‭ ‬مجموعات‭ ‬أجراس‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬وغيرها‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬والقاهرة‭ ‬والمغرب،‭ ‬وإلى‭ ‬مارسيل‭ ‬خليفة‭ ‬وتيار‭ ‬الشيخ‭ ‬إمام‭ ‬وأحمد‭ ‬فؤاد‭ ‬نجم‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬عليهما،‭ ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬أشرت‭ ‬وأنا‭ ‬معك‭ ‬إلى‭ ‬بقايا‭ ‬الفن‭ ‬المحترم‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬التعويل‭ ‬عليه‭ ‬والبناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تحقق،‭ ‬لابد‭ ‬إذن‭ ‬من‭ ‬حلحلة‭ ‬الموقف‭ ‬المراقب‭ ‬لظاهرة‭ ‬التدني‭ ‬الفني،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تيار‭ ‬فكري‭ ‬مؤثر‭ ‬يدعم‭ ‬قضية‭ ‬الفن‭ ‬الراقي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الابتذال‭ ‬والسقوط‭ ‬في‭ ‬بئر‭ ‬الردح‭ ‬بالكلمات،‭ ‬والتناغم‭ ‬مع‭ ‬التفاهات،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬جماعات‭ ‬ضغط‭ ‬نوعية‭ ‬من‭ ‬الموهوبين‭ ‬الحقيقيين‭ ‬والمفكرين‭ ‬المؤمنين‭ ‬بقضايانا‭ ‬الوطنية‭ ‬وهمومنا‭ ‬الإنسانية‭ ‬ومشاعرنا‭ ‬الراقية،‭ ‬لا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتناغم‭ ‬مع‭ ‬الحضيض،‭ ‬والرخيص‭ ‬الذي‭ ‬يجتذب‭ ‬المهللين‭ ‬والمهلهلين‭ ‬والبهلوانات‭ ‬الصاعدة‭. ‬وجودنا‭ ‬في‭ ‬خطر‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬إخراج‭ ‬ذلك‭ ‬التيار‭ ‬من‭ ‬بنات‭ ‬أفكارنا،‭ ‬ومن‭ ‬سابق‭ ‬تجاربنا،‭ ‬ومن‭ ‬حقائق‭ ‬مجتماعتنا،‭ ‬ومن‭ ‬تراث‭ ‬أجدادنا‭.‬

الفن‭ ‬الشعبي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬فنًّا‭ ‬لإثارة‭ ‬الغرائز،‭ ‬واللعب‭ ‬على‭ ‬الصغائر،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يشحذ‭ ‬الهمم‭ ‬ويعبر‭ ‬عن‭ ‬“أولاد‭ ‬البلد‭ ‬الجدعان”‭ ‬وعن‭ ‬الريف‭ ‬الصابر‭ ‬الصادق‭ ‬الفنان‭.‬

تيار‭ ‬فكري‭ ‬متنامٍ‭ ‬يرسخ‭ ‬قيمنا‭ ‬الحاضرة،‭ ‬وقيمتنا‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬الزمان،‭ ‬مقالك‭ ‬يا‭ ‬سيدي‭ ‬نكأ‭ ‬الجرح‭ ‬المفتوح،‭ ‬وترك‭ ‬الباب‭ ‬مشرعًا‭ ‬لحوار‭ ‬مجتمعي‭ ‬أشبه‭ ‬بالحوار‭ ‬الوطني،‭ ‬حوار‭ ‬جاد‭ ‬بين‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب‭ ‬والمفكرين‭ ‬الأقرب‭ ‬للقضية،‭ ‬حوار‭ ‬يطلق‭ ‬تيارًا‭ ‬فكريًا‭ ‬معاصرًا‭ ‬يحارب‭ ‬الابتذال‭ ‬ويواجه‭ ‬شرعنة‭ ‬وتقنين‭ ‬أغاني‭ ‬ومطربي‭ ‬المهرجانات‭ ‬بمعايير‭ ‬الجماهيرية‭ ‬المنحطة‭ ‬الزائفة،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬فقط‭ ‬لمجرد‭ ‬مقال،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬ندوة‭ ‬لإثارة‭ ‬الغبار،‭ ‬أو‭ ‬لسلسلة‭ ‬أعمال‭ ‬صحافية‭ ‬وليكن‭ ‬ما‭ ‬يكون،‭ ‬إنما‭ ‬يفرض‭ ‬حقائق‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬لاستنهاض‭ ‬الهمم‭ ‬وتفكيك‭ ‬المجتمعات‭ ‬الداعمة‭ ‬والجماعات‭ ‬المحفزة‭ ‬المشبوهة‭ ‬لهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الفن‭ ‬الرخيص،‭ ‬“غناء‭ ‬ودراما”‭ ‬وبينهما‭ ‬برامج‭ ‬“توك‭ ‬شو”،‭ ‬على‭ ‬إيقاعات‭ ‬ما‭ ‬أنزل‭ ‬الله‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬سلطان‭.‬

نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تيار‭ ‬لاستفزاز‭ ‬الطاقات‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬شبابنا‭ ‬ولدى‭ ‬خبرائنا،‭ ‬وإيقاظ‭ ‬الضمائر‭ ‬وإعادة‭ ‬الحياة‭ ‬للرقابة‭ ‬على‭ ‬المصنفات،‭ ‬تيار‭ ‬يراعي‭ ‬الله‭ ‬والخير‭ ‬والفضيلة‭ ‬والرحمة‭ ‬والعدل‭ ‬في‭ ‬الناس،‭ ‬ولا‭ ‬يلعب‭ ‬على‭ ‬أهوائهم‭ ‬وآلامهم‭ ‬واحتياجاتهم‭ ‬رغم‭ ‬أي‭ ‬قياس‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية