المسامح كريم.. روح القانون في أبهى صورها

| زهير توفيقي

في‭ ‬مشهدٍ‭ ‬مؤثرٍ‭ ‬داخل‭ ‬قاعة‭ ‬المحكمة،‭ ‬أبكى‭ ‬القلوب‭ ‬قبل‭ ‬العيون،‭ ‬أعلن‭ ‬والدا‭ ‬الطفل‭ ‬حسن‭ ‬المحاري‭ ‬–‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬–‭ ‬تنازلهما‭ ‬عن‭ ‬حقهما‭ ‬في‭ ‬القضية‭ ‬التي‭ ‬هزّت‭ ‬وجدان‭ ‬الشارع‭ ‬البحريني،‭ ‬وذلك‭ ‬لوجه‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬إيمانًا‭ ‬واحتسابًا،‭ ‬واعترافًا‭ ‬بأن‭ ‬السائقة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتعمد‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬خطأً‭ ‬بشريًا‭ ‬مؤلمًا‭ ‬لم‭ ‬يقصد‭ ‬به‭ ‬أحد‭ ‬سوءًا‭. ‬لقد‭ ‬جسّد‭ ‬الوالدان‭ ‬بقرارهما‭ ‬هذا‭ ‬أسمى‭ ‬معاني‭ ‬الرحمة‭ ‬والتسامح،‭ ‬وكتبا‭ ‬موقفًا‭ ‬خالدًا‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والبحرينية‭ ‬الأصيلة‭. ‬ففي‭ ‬لحظةٍ‭ ‬كان‭ ‬الغضب‭ ‬فيها‭ ‬مبرَّرًا،‭ ‬والحزن‭ ‬فيها‭ ‬عميقًا،‭ ‬اختارا‭ ‬أن‭ ‬ينتصرا‭ ‬للإيمان‭ ‬على‭ ‬الانفعال،‭ ‬وللحكمة‭ ‬على‭ ‬العاطفة،‭ ‬وليقدّما‭ ‬درسًا‭ ‬نادرًا‭ ‬في‭ ‬السموّ‭ ‬الإنساني‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سهلًا،‭ ‬فالفقد‭ ‬موجع،‭ ‬والمأساة‭ ‬لا‭ ‬تُنسى،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬يعفو‭ ‬ابتغاء‭ ‬وجه‭ ‬الله‭ ‬يسمو‭ ‬فوق‭ ‬الجراح‭. ‬لقد‭ ‬آثرا‭ ‬الصفح‭ ‬استجابة‭ ‬لقول‭ ‬تعالى‭: ‬“وأن‭ ‬تعفوا‭ ‬أقرب‭ ‬للتقوى”،‭ ‬ليذكّرا‭ ‬المجتمع‭ ‬بأن‭ ‬العفو‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الضعف،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬قمّة‭ ‬القوة،‭ ‬وأن‭ ‬العدالة‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬العقاب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تتكامل‭ ‬حين‭ ‬تمتزج‭ ‬بالرحمة‭. ‬لقد‭ ‬أعادا‭ ‬بهذا‭ ‬الموقف‭ ‬التوازن‭ ‬إلى‭ ‬المشهد،‭ ‬فبينما‭ ‬يأخذ‭ ‬القانون‭ ‬مجراه،‭ ‬تبقى‭ ‬“روح‭ ‬القانون”‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تُعيد‭ ‬للعدالة‭ ‬معناها‭ ‬الإنساني‭ ‬الأصيل،‭ ‬وتذكّر‭ ‬بأن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬العقوبة‭ ‬هو‭ ‬الإصلاح‭ ‬لا‭ ‬الانتقام،‭ ‬وأن‭ ‬الرحمة‭ ‬لا‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬بل‭ ‬تُتممه‭.‬

ولعلّ‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الأبوي‭ ‬النبيل‭ ‬سيكون‭ ‬مصدر‭ ‬إلهامٍ‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬فقد‭ ‬عزيزًا‭ ‬بسبب‭ ‬خطأ‭ ‬غير‭ ‬مقصود،‭ ‬فيتعلّم‭ ‬أن‭ ‬العفو‭ ‬يُطفئ‭ ‬نار‭ ‬الحقد،‭ ‬ويزرع‭ ‬في‭ ‬القلوب‭ ‬سكينةً‭ ‬لا‭ ‬توصف،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يوجّه‭ ‬رسالةً‭ ‬مؤثرة‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬بأن‭ ‬البحرين‭ ‬ستبقى‭ ‬بلد‭ ‬الرحمة‭ ‬والإنسانية،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬القلوب‭ ‬عامرة‭ ‬بالإيمان،‭ ‬والعقول‭ ‬راجحة‭ ‬بالحكمة.

رحم‭ ‬الله‭ ‬الطفل‭ ‬حسن‭ ‬المحاري،‭ ‬وأسكنه‭ ‬فسيح‭ ‬جناته،‭ ‬وجزى‭ ‬والديه‭ ‬خير‭ ‬الجزاء‭ ‬على‭ ‬صبرهما‭ ‬وثباتهما،‭ ‬فهما‭ ‬اليوم‭ ‬عنوانٌ‭ ‬للوعي،‭ ‬ورمزٌ‭ ‬للتسامح،‭ ‬وتجسيدٌ‭ ‬صادقٌ‭ ‬لمعنى‭ ‬“المسامح‭ ‬كريم”،‭ ‬ولجوهر‭ ‬“روح‭ ‬القانون”‭ ‬التي‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الحق‭ ‬والرحمة،‭ ‬وبين‭ ‬حكم‭ ‬العدالة‭ ‬وحكمة‭ ‬القلوب‭.‬

الخلاصة‭.. ‬تبقى‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬المؤلمة‭ ‬دعوةً‭ ‬صادقة‭ ‬لمراجعة‭ ‬منظومة‭ ‬النقل‭ ‬المدرسي،‭ ‬والتشديد‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬التراخيص‭ ‬لمركبات‭ ‬نقل‭ ‬الأطفال،‭ ‬وضمان‭ ‬خضوعها‭ ‬للرقابة‭ ‬والفحص‭ ‬المستمر،‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬أرواح‭ ‬الصغار‭ ‬وأمانهم‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬من‭ ‬قانونية‭ ‬السائقين‭ ‬والمركبات‭ ‬التي‭ ‬تنقل‭ ‬أبناءهم‭ ‬يوميًا،‭ ‬فالمسؤولية‭ ‬هنا‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬الجميع‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المدارس‭ ‬ورياض‭ ‬الأطفال‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬إبلاغ‭ ‬الوالدين‭ ‬عند‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬طالب‭ ‬للذين‭ ‬يستخدمون‭ ‬الحافلات‭ ‬المدرسية‭.‬

إن‭ ‬الوقاية‭ ‬والرقابة‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الرحمة،‭ ‬فكما‭ ‬أن‭ ‬العفو‭ ‬يُنقذ‭ ‬القلوب‭ ‬من‭ ‬الحقد،‭ ‬فإن‭ ‬الانضباط‭ ‬يُنقذ‭ ‬الأرواح‭ ‬من‭ ‬الخطر‭. ‬وبين‭ ‬هاتين‭ ‬القيمتين،‭ ‬تبقى‭ ‬روح‭ ‬القانون‭ ‬حية،‭ ‬عادلة،‭ ‬ورحيمة‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني