العظماء في فندق السعادة.. ماذا لو أنهم أحبوا الحياة؟ (2)
| سيد ضياء الموسوي
عندما أطرح موضوع غرف فندق السعادة لا يعني أن كل إنسان يستطيع أن يحقق كل الغرف؛ لأن الناس إمكانيات، وظروف وسياقات أزمنة، ولكن أضع الغرف كمقياس ليعرف القارئ أين هو من السعادة، وماذا ينقصه، وأي الغرف مظلمة لديه. كل غرفة تسقط يسقط جزء من سعادته، فلا يكفي أن تمتلك المال، ولا أن تمتلك الصحة، أو أن تكون مثقفا كبيرا وليس لديك علاقات اجتماعية صحية أو مال.
نقدي للعظماء، مع إيماني أن كون الإنسان عظيما لا يعني كاملا، لكني أجد أن البعض منهم لو كان يمتلك النضج النفسي أو الروحي، أو أعاد قراءة الحياة بشكل إيجابي، لكانت حياته أكثر سعادة.
لكلّ عظيم أذكره سأكشف عن طبيعة إخفاقه، نوعية تعاسته، جرحه العميق، ومكان الخلل النفسي والعاطفي.
ستّ غرف. كل غرفة باب على جوهر إنسان. كل غياب فيها جرح عميق. وهؤلاء العظماء عاشوا أحيانا مقاطعي البوابات؛ فتحوا بابا واستعمروا غرفة حتى أخرجهم فرط الإضاءة عن بقية الأبواب؛ فسقطوا - ليس لانعدام العبقرية - بل لعدم توازن البيت الداخلي.
جرّب أن تختبر مدى سعادتك بمقياس الغرف الست، وستعرف مدى سعادتك.
ستقترب من فهم ما تحتاجه من غرف، ومن بعدها “كوكتيل الحياة” لترى مسار العبور وطول الطريق وجمال الرحلة ولذة الوصول. واستكمالا لقياس عظماء التاريخ، نتناول بقية العظماء وسر عدم اكتمال الغرف، وبالتالي نقص منسوب السعادة لديهم.
7 - سيغموند فرويد
لقد عاش عالم النفس الكبير فرويد في صراع بين العلم والروح، يفسّر الإيمان باللاشعور، وكانت علاقته مع الله ملتبسة تميل إلى الضبابية وعدم الوضوح، فأغلق باب الروح واكتفى بالعقل.
كان حادّا، قلقا، يفسّر كل شيء لكنه أخفق في الطمأنينة.
فغرفة الروح تكاد تكون مظلمة، وغرفة الحب مليئة بالوجع، حيث كان يعاني علاقة تعلق مرضي بابنته لدرجة الاختناق، إذ كان يمارس عليها دور المتسلّط الذي يريد أن يفرض إرادته بقوة الأبوة. كان مهووسا بابنته لدرجة أنه يغار من أي علاقة لها بأحد، وكان يضايقها حتى في محاولات ارتباطها أو زواجها.
هل يُعقل أن فرويد، عظيم علم النفس، يعيش هذا العذاب وهذا التعلّق المرضي؟ أي غرفة هذه التي سقطت؟ إنها غرفة الحب.
غرفة الحب من أخطر الغرف، فإذا لم تمتلك أدوات الخلطة ستسقط، وإن امتلكت بقية الغرف.
لاحظ أن فرويد كان يعاني إدمان التدخين، وأُصيب بالسرطان في الفك، ورغم ذلك لم ينقطع عن التدخين، إذن غرفة الجسد سقطت هي الأخرى.
علاقاته الاجتماعية ضعيفة. هنا نصل إلى نتيجة بمقياس حجم سعادة فرويد، بسقوط أغلب الغرف: غرفة الروح، والجسد، والحب، والمجتمع. ولم تبقَ عنده إلا غرفة الثقافة، أما غرفة المال فمتوسطة.
السؤال: ماذا لو مارس التأمل بدلا من التحليل فقط؟ لو زار الكنائس لا بصفته عالما، بل إنسانا يبحث عن معنى؟ لو أدخل “الروح” في علم النفس بشكل أكبر؟ ماذا لو فكّ الارتباط المرضي بحب ابنته؟ ماذا لو وجد له حبيبة مناسبة تعيش معه الحياة؟ ماذا لو أقلع عن التدخين، ومارس الرياضة مكانها، وكون علاقات اجتماعية صحية؟
لو قام بذلك لكانت حياته أكثر سعادة واستقرارا، ولكان علم النفس اليوم أكثر رحمة، ولأدرك أن اللاوعي ليس فقط جرحا طفوليا، بل حديقة ينبت منها الإلهام.
8 - آرثر شوبنهاور
عاش فيلسوف التشاؤم وحيدا متشائما، يرى الوجود شرا، والناس أغبياء. لم يعرف حبا ولا مجتمعا ولا طمأنينة. كان مجروحا من طريقة تعامل أمه مع أبيه، وإهمالها وتضخّم نرجسيتها، فالأب أو الأم إذا أصبحا نرجسيين يكون بعض الأبناء مضطربين.
شوبنهاور يمتلك أفكارا عظيمة، لكن طفولته وجروحه شكّلت بعض قناعاته.
يكره المرأة، ويلتقي مع نيتشه في الفكرة ذاتها أن “المرأة فخّ نصبته لنا الطبيعة”، كما هو قول نيتشه.
ليس لديه غرفة سليمة في فندق السعادة، بما فيها غرفة الثقافة، فأعمدة ثقافته تقوم على التشاؤم، وليس على حب الحياة والتمتّع بالوجود و “كوكتيل الحياة”: ثقافة وأناقة ورياضة وطبيعة وسفر وحبّ وعلاقة مجتمعية صحية وعلاقة متوازنة مع الله.
ماذا لو أنه تبسّم مرة لوجه الحياة؟ لو جرّب أن تكون له علاقات صحية بدلا من أن يكره الناس؟ لو قرأ الشعر بدلا من كتب الألم؟
لكان قال: “الحياة ليست شرا، بل امتحانُ معنى”. ولربما غيّر فلسفته من التشاؤم إلى الحكمة.
9 - إدغار آلان بو
أقام في غرفة الخيال والثقافة الأدبية، لكنها كانت مسكونة بالأشباح.
غرفة الروح عنده مظلمة بالكحول واليأس، وغرفة العلاقات خالية إلا من طيف امرأة ماتت باكرا وظل يبكي عليها إلى آخر العمر.
كتب “الغراب” ليقول للعالم: أنا الغرفة التي لا يُطرق بابها.
إنه شاعر الظلال، مغرم بأحزان الروح، مصاب بالإدمان وتقلبات المزاج. اللغة عنده سلاح وندب. افتقاره لاستقرار مادي ونفسي جعله يعيش في حالتي حمّى وألم.
أين يكمن الخلل؟
هيمنة غرفة الثقافة التي لم تُصاحبها غرفة الاستقرار الجسدي والروحي. اضطراب في إدارة الذات، وإدمان، وميل إلى العزلة.
علميا: الإدمان يغيّر دوائر المكافأة ويعمّق حساسية الكوابيس الوجدانية، وهذا طريق للتعاسة.
ماذا لو دخل كل الغرف؟
لو وُفّر لبو ليل آمن، ومأوى صحي، ورباط إنساني صادق، لارتدت حكاياته لتصبح إشارات نورية بدلا من ظلال خانقة؛ لا يفقد قدرته على السرد، لكنه يملك شرعية السلام الداخلي.
مشكلة البشر أنهم إذا أُصيبوا بجرح حوّلوه إلى هوية. ما دمت إنسانا سوف تُجرح، سوف تُصدم، سوف تُترك؛ فلا بد من أن تكون خطوط دفاعك النفسية مهيّأة لذلك، ولا تقبل الاستسلام. القوة أن تصنع جنتك ولو كنت في عمق الجحيم. المهم تقديس الحياة؛ لأن الفرصة لن تتكرر.
10 - تشارلز داروين
إنسان عظيم، لكن هل سعادته كانت مكتملة؟
دخل غرفة الثقافة والعقل العلمي، لكنه أغلق باب الروح؛ فمات في صراع مع نفسه حول الله والمعنى.
لم يعرف حبّا عميقا ولا طمأنينة قلب، كان يحلّل الوجود كعالم لا كعاشق، فاختبر العلم وافتقد السلام.
غرفة الروح لديه ملتبسة كما هي عند حتى الدينيين وبعض من ينتقدونه؛ فالاطمئنان لا يأتي بالعلم التجريبي البحت، ولا من الهوس الديني أو ادّعاء الحقيقة الدينية المطلقة، ولا بالصراخ الوعظي البلاستيكي أمام الجمهور.
الاطمئنان يأتي بحب الله والعمل الإنساني وحب البشر متجردا من الطائفية والتعصّب المناطقي والطبقي والعرقي.
المتدين الذي يكره الإنسان ليس إنسانا مهما تظاهر بحب الله.
11 - مايكل أنجلو
العظيم الذي نحت من الصخر جمالا، فمسكين هو الآخر.
دخل غرفة الإبداع والجسد العامل، لكنّه لم يفتح باب العلاقات الاجتماعية؛ كان متقوقعا في فنه، ناسكا في الحجارة. نحت الجمال، لكن روحه لم تلمس حنانا بشريا.
أنجلو كان يعاني وحدة، وهنا سقطت غرفة المجتمع، وتعلّق قلق في الحب، وهنا سقطت غرفة الحب، وكان يعاني أزمة هوية، وهنا سقطت غرفة الجسد في بعدها السيكولوجي.
علاقته مع الله كانت تمثل جزءا من فنه؛ فهو من جمل الكنائس وأعطاها روحا مشعة حين يختلط الجمال بحب الله.
12 - نيكولا تسلا
سكن غرفة العقل والثقافة العلمية، لكنه أغلق أبواب المال والحب والعلاقات؛ عاش فقيرا ووحيدا.
أنار العالم بالكهرباء، وظل يعيش في الظلام الداخلي.
عبقريّ، لكنه بلا دفء إنساني.
13 - إرنست همنغواي
دخل غرفة المال والمجد والعلاقات الاجتماعية الواسعة، لكنه فقد غرفة الروح والاستقرار الداخلي.
أطلق النار على نفسه وهو في قمة المجد؛ لأن الفندق كان صاخبا من الخارج، خاليا من الداخل.
مفاهيم أساسية لضبط الغرف الست:
الاختلال ليس عيبا فطريا للعظمة، بل أزمة توزيع موارد الإنسان؛ إذا استأثر عقل أو موهبة بغرفة واحدة، تُستنزف طاقات الجسد والروح والعلاقات.
علميّا، الدماغ البشري يحتاج تكاملا وظيفيا: توازن الدوائر الوجدانية (اللّامة، القشرة الجبهية)، نظام المكافأة (الدوبامين)، والشبكات الاجتماعية يدعم الصحة. العزلة، الإجهاد المزمن، والإدمان تفتك بهذا التوازن.
أدبيا، العظمة التي تُقفل الأبواب تفتقد موسيقى الإنساني؛ تُصبح صدى متكررا، لا سمفونية كاملة.
الخاتمة: المرحلة الملكية
حين تفتح الغرف الست، يصبح الإنسان ملكا لا على الناس، بل على نفسه.
ملكا على وقته، على قلبه، على رغباته.
تُصبح روحه عرشا يسكنه النور، ويغدو صوته موسيقى لا ضجيجا.
هنا الإنسان يمتلك قوة بوذا في التخلي وعدم التعلق بأي شيء في الحياة، ويعيش بطلا في قصته لا قصص الآخرين، كما هي المدرسة الرواقية، ورجل الاستنارة كما عند هاوكينز، والمتصالح مع الظل كما عند كارل يونغ، وإنسانا ذا معنى كما عند فرانكل.
السعادة الحقّة ليست أن تملك، بل أن تَتّزن.
أن تجلس في بهو الفندق وتنظر إلى غرفك جميعا، فتقول في رضا: “الحمد لله، كل غرفة مضاءة، حتى لو كان الضوء خافتا”.