الذكاء الاصطناعي يقف في مفترق طرق لأسعار الفائدة

| ياسر سليم

 ثمة سيولة تشهدها حاليًّا سوق التقنية المتعاظم، يبدو أن الريح التي تعبث بأسُس الاقتصاد الكلي اسمَها اليوم: الذكاء الاصطناعي.  هذه الريح تهبُّ اليوم بلا توقُّف، فتقتلع وظائف روتينية وتُغذّي أخرى، فتطرح تساؤلًا محوريًّا أمام الفيدرالي الأميركي عن مدى صلاحية قواعد النموذج التقليدي (التضخّم /‏ البطالة /‏ أسعار الفائدة) في ضبط سياسات نقدية تحت ظلّ تحولات لا يكاد يُرصد مداها. يعترف محافظ الفيدرالي جيروم باول بأن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل “صعب القياس” ويُشكّل لغزًا أطاح بوضوح البيانات التقليدية، ما يضع غيمة على اتجاهات قرار الفيدرالي في اجتماعه القادم بشهر ديسمبر، والذي تترقبه أسواق العالم. من أوجه التهديد أن الذكاء الاصطناعي يُسرّع استغناء الشركات عن العاملين بوظائف روتينية أو متوسطة، مستبدِلاً إياهم بمنصّات وبرامج ذكيّة.  هذه الوظائف التي غالبًا ما تمثل «بوابة الدخول» للشباب، قد تختفي أو تتقلّص بشدّة. فبحسب دراسة حديثة، تقنية النموذج اللغوي–العام وحدها يمكن أن تؤثر بنسبة لا تقل عن 10 % من مهام ما يقارب 80 % من القوى العاملة الأميركية.  هذا الأمر يُفضي إلى بطالة هيكلية أو على الأقل تراجع نموّ الأجور، ومعه ضعف سوق العمل.  وقد لاحظ باول أنّ “خلق الوظائف قريب جدًّا من الصفر” بعد تعديلات بيانات التشغيل، ولفت إلى أن عددًا كبيرًا من الشركات تستند صراحةً إلى الذكاء الاصطناعي عند تجميد التوظيف.  في هذا السيناريو، تضعف مؤشرات سوق العمل، فينظر الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض سعر الفائدة لتحفيز النمو ودعم التوظيف – وهو ردّ الفعل التقليدي: البطالة مرتفعة، النمو ضعيف، فالفائدة تُخفض أو تُثبّت على مستوى أقل. على الجانب الموازِي، يتّضح أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل كقوة محاصِرة للاقتصاد فقط، بل كمُحفّز للنمو في قطاعات معيَّنة. فعنصر مهم هنا: شركات الرقائق، مراكز البيانات، والرقمنة الكبرى تستثمر بكثافة، وتوظّف مهندسين وباحثين بإيقاع متسارع.  يشير باول إلى أن إنفاق مراكز البيانات “ليس حساسًا لأسعار الفائدة” بالضرورة، ما يقلّل من قدرة رفع الفائدة وحده على كبح التضخم الناتج عن هذه الاستثمارات.  من جهة أخرى، يرى اقتصاديون أن الذكاء الاصطناعي قد يمهّد الطريق إلى إنتاجية أعلى ونمو اقتصادي غير تضخّمي؛ أي أن بإمكان الاقتصاد أن ينمو دون أن تُضخّم الأجور أو الطلب بنفس الوتيرة، ما يجعل مجلس الفيدرالي يميل لتحقيق التوازن بين تثبيت الفائدة وعدم رفعها.  إذن، في هذا الإطار، ليس بالضرورة أن ضعف سوق العمل يُفرِض خفض الفائدة، بل أن النمو الموجَّه نحو القطاعات التقنية قد يدعم مسار ثابت للفائدة أو حتى رفعها إذا بدا التضخم ناشئاً من الاستثمار التقني. في نهاية المطاف، يواجه صانعو السياسة النقدية أمام انعقادهم المقبل معضلة مركّبة: البيانات التقليدية صارت مشوَّهة، فـ مؤشر التوظيف لم يعد يعكس بالضرورة واقع قوة سوق العمل أمام ثورة الذكاء الاصطناعي. إذ ليس كل ضعف توظيف يعني ركودًا، ولا كل نمو في استثمارات الذكاء الاصطناعي يعني تضخمًا مباشرًا. الذكاء الاصطناعي إذن، لا يُغيّر سوق العمل فحسب، بل يغيّر «بوصلة» الاقتصاد الكلي—فتُصبح المؤشرات والمُعادلات القديمة بحاجة إلى إعادة معايرة. والبنك المركزي لا يستطيع أن يثق فقط بأرقام الوظائف أو لُبّ التضخم، بل عليه أن يدمج قراءة نوعية لتأثيرات التقنية، كي يحدد ما إذا كان الوقت قد حان لتثبيت الفائدة أو خفضها أو رفعها.  في هذه اللحظة، التحدّي ليس فقط أن يقرأ الاقتصاد الحالي، بل أن يستبق اقتصاد الذكاء الاصطناعي الذي يتشكّل أمامه.