وطن الاعتدال لا يعرف “الانحلال”
| أحمد جعفر
في أي مجتمع متحضر، تعد الأخلاق بمثابة “رمانة الميزان” يُقاس بها الوعي والرقي، وهي ركيزة أساسية لبناء قيم نبيلة في المجتمعات. لكن معضلة أي مجتمع تبدأ حين يتحول الحديث العام عن الأخلاق إلى منبر للاتهام والتهويل بدلًا من أن يكون دعوة لاحترام الحريات المدنية. مؤخرًا، طالعتنا بعض الجمعيات الإسلامية في البحرين ببيان حول ما وصفته بـ “مظاهر الفساد والانحلال الأخلاقي” في المجتمع البحريني، وهو ما يعتبر تجنيًا على واقع مختلف نعيشه اليوم على مبدأ الاعتدال ومفهوم التسامح الذي تتبناه الدولة والشعب. هذا البيان غير منصف بسبب لغته القاسية ومفرداته التي بالغت في توصيف شيء لم يحدث أصلًا، فهو تحدث عن “رذيلة” و”انحلال” و”مشاهد مخلة” في الشوارع العامة، بينما لم نشهد فعليًا أي إعلان أو محتوى يمكن وصفه بتلك العبارات التي لا تليق بمجتمع عُرف عبر تاريخه بالحياء والاعتدال دون إغفال بعض الحالات الفردية التي لا تمثل مبادئ وقيم أهل البحرين بمختلف مكوناتهم. من المؤسف أن يصدر مثل هذا الخطاب من مؤسسات يفترض أن تكون شريكة في بناء الوعي الجمعي، لا في إثارة الهلع الأخلاقي ومحاولة التدخل في حريات الآخرين؛ فالمجتمع البحريني بكل أطيافه محكوم بمنظومة أخلاقية راسخة تضبطها القوانين والأعراف، وتراقبها المؤسسات الرسمية بدقة. كما أن الإعلانات التي تُنشر في الطرق العامة تمر عبر جهات مسؤولة، ولا يمكن أن تتضمن أي محتوى مخل أو مخالف، ما يعد اتهامًا مبطنًا لمؤسسات رسمية بعدم القيام بدورها الرقابي، بينما ليست بالضرورة أن تأتي من داخل البحرين تلك الإعلانات التي تذاع عبر منصات التواصل الاجتماعي. ومن هنا، فإن الإيحاء بوجود “انفلات قيمي” هو تجن على الواقع وتشويه لصورة وطن عُرف بوسطيته الدينية والثقافية وانفتاحه على الجميع، لاسيما أن البحرين بمواطنيها ومقيميها عبارة عن خليط متنوع ومتجانس من الأديان والمذاهب والمدارس الفكرية المختلفة. واقعًا، إن الأخلاق لا تُحمى عبر التهويل بهذه الطريقة الفجة؛ بل ترسخ أولًا بالتربية السليمة ثم الإقناع بالحوار وصناعة القدوات الحسنة في المجتمع، وإذا كانت بعض الجمعيات تشعر بقلق من مظاهر فنية أو إعلانية لا تتفق مع رؤيتها الفكرية، فإن الحل ليس في إطلاق بيانات تهكمية، بل في الحوار والتوعية الهادئة. وهنا يجب القول.. ليس كل اختلاف في الذوق أو التعبير أو الفكر يعني تراجعًا في منظومة القيم، كما أن الدفاع عن الفضيلة لا يعني محاربة مظاهر الحياة العصرية من الفنون الجميلة إلى السياحة والترفيه. وبالتالي، فإنه من المهم أن ندرك أن الدفاع عن “الهوية البحرينية” لا يجب أن يكون بالتشكيك في نوايا مجتمع يملك توازنًا ميز البحرين لعقود؛ وهو توازن مزج بين الالتزام الديني والانفتاح وبين الأصالة والتطور في آن واحد. إن خطورة مثل هذه البيانات تكمن في أنها تفتح بابًا للانقسام الثقافي وتزرع بذور الشك بين أبناء الوطن الواحد، وتسيء لصورة البحرين خارج حدودها؛ فحين تُتداول عبارات مثل “الرذيلة” و”الانحلال”، يبدو وكأننا في بلد فقد بوصلته الأخلاقية، وهذا أمر لا ينطبق على بلد مثل البحرين، وفيه تجاوز غير مقبول. كذلك، فإن مسألة الحفاظ على قيمنا الأصيلة هي مسؤولية جماعية، تبدأ من البيت والمدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام، لكن دون تهويل أو مبالغة؛ فالبحرين كانت وستبقى رمزًا للاعتدال الذي يرسم طريقنا بوسطية تجمع بين الفضيلة والحريات الشخصية القائمة على الاحترام المتبادل.
كاتب بحريني